إصلاح ذات البين: إنقاذ لأعمار تضيع ونفوس تتألم – عبدالرحمن العطوي

في حياة الإنسان مواقف كثيرة تستحق أن يتوقف عندها طويلاً وأن يعيد حساباته قبل أن يمضي به العمر وتسرق الأيام منه فرصاً لا تعود. ومن أعظم تلك المواقف خصومات تنشأ بين الإخوة والأقارب والأزواج، فتبدأ بكلمة وتنتهي بقطيعة طويلة، وتكبر بسبب العناد، وتتسع بفعل سوء الظن ونقل الكلام، ويصبح كل طرف أسيراً لموقفه، ينتظر أن يبادر الآخر بالاعتذار وكأن الاعتراف بالخطأ هزيمة، وكأن التسامح انتقاص من الكرامة، بينما الحقيقة أن الكرامة الحقيقية تظهر في القدرة على تجاوز الخلاف وأن النفوس الكبيرة لا تقاس بقدرتها على الخصومة بل بقدرتها على العفو والإصلاح.

إن إصلاح ذات البين من أعظم القيم التي جاء بها الإسلام وجعلها طريقاً إلى الرحمة والأجر العظيم، لما يترتب عليها من حفظ للحقوق وجمع للكلمة وإطفاء لنيران العداوة. وقد جاء التوجيه الإلهي واضحاً في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.. وهي آية تختصر منهجاً متكاملاً في بناء المجتمع، وتؤكد أن الإصلاح ليس عملاً هامشيًّا يؤديه الإنسان إن تيسر له الوقت، بل مسؤولية أخلاقية ودينية تستوجب المبادرة كلما نشأ خلاف يهدد روابط الأخوة والمودة.

ويزداد هذا المعنى وضوحاً في قول الله سبحانه وتعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، فالقرآن الكريم يرفع شأن الساعي في الإصلاح، ويجعل عمله من أبواب الخير التي يبتغي بها وجه الله -عز وجل- ونيل رضاه، كما قال سبحانه: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} وهي قاعدة عظيمة تتجاوز حدود الخصومة إلى كل علاقة إنسانية تحتاج إلى الحكمة والتسامح وتغليب المصلحة على المكابرة.

ولم تقف السنة النبوية عند الحث العام على الإصلاح بل بينت عظيم منزلته، فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا بلى يا رسول الله قال: «صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة» رواه أبو داود والترمذي. ومعنى ذلك أن فساد العلاقات وإشعال العداوات من أسباب استئصال المودة وإفساد القلوب حتى يصبح الخلاف حاجزاً بين الإنسان وأقرب الناس إليه.

وهنا تتجلى قيمة المصلح الذي لا يبحث عن مكانة اجتماعية ولا ينتظر ثناءً من أحد، بل يحمل همًّا صادقاً في جمع القلوب وإزالة أسباب الشقاق، فيتصل بهذا، ويزور ذاك، ويستمع إلى الطرفين بحكمة، وينقل الكلمة الطيبة، ويطفئ نار الغضب قبل أن تتحول إلى قطيعة يصعب تجاوزها، ولا يكتفي بإعلان رغبته في الصلح، بل يبذل جهده حتى يعيد المياه إلى مجاريها ويحفظ للناس كرامتهم، ويعينهم على تجاوز خلافاتهم دون ظلم أو انتقاص من حق أحد.

وما أحوج مجتمعاتنا إلى أمثال هؤلاء الرجال والنساء الذين يدركون أن إصلاح علاقة واحدة قد يعيد الطمأنينة إلى أسرة بأكملها، وأن إنهاء خصومة بين أخوين قد يحفظ أبناءهما من ميراث الكراهية، وأن إعادة زوجين إلى التفاهم والحوار قد تنقذ بيتا من التفكك وتحمي أبناء من آثار خلافات لم يكونوا طرفاً في نشأتها ولا ذنباً لهم في استمرارها.

فكم من زوجين تحول خلاف عابر بينهما إلى جدار من الصمت والاتهامات، وكم من أخوين فرقت بينهما مسألة مالية أو كلمة قيلت في ساعة غضب أو موقف فسر على غير مقصده وكم من رحم انقطعت سنوات طويلة لأن كلا الطرفين ينتظر مبادرة الآخر وكم من عائلة تفرقت مجالسها وتباعدت بيوتها بعد أن كانت تجمعها المودة والزيارات والمناسبات، ثم أصبح اللقاء بينها مناسباً عابراً لا يتجاوز السلام البارد أو الصمت الثقيل.

والأشد إيلاماً أن بعض الخصومات لا تنتهي لأن أسبابها عظيمة بل لأن أصحابها يصرون على إبقائها حية في صدورهم يستحضرون تفاصيلها كلما هدأت النفوس ويعيدون سردها كلما اقتربت المصالحة ويجدون في استرجاع الماضي ما يغذي غضبهم حتى تتحول حادثة صغيرة إلى تاريخ طويل من الجفاء، وكأن الإنسان يملك من العمر ما يكفي لإهداره في الخصومات، وكأن الأيام تضمن له أن يلتقي بمن خاصمه مرة أخرى.

إن من أكثر المشاهد إيلاماً في حياة الناس أن تمر السنوات، ويظل أخوان متباعدين لا يزور أحدهما الآخر، ولا يسأل عنه، وربما التقيا في مناسبة عائلية فصرف كل منهما وجهه عن الآخر، ثم يأتي اليوم الذي يرحل فيه أحدهما عن الدنيا فيقف الآخر أمام الحقيقة التي لا تقبل التأجيل، ويستعيد مواقف كان يستطيع أن يتجاوزها وكلمات كان يمكن أن يقولها وخطوات صلح كان قادراً على المبادرة بها لكنه أجلها حتى لم يعد في العمر متسع لها،

عندها لا تعود الخصومة قابلة للنقاش، ولا يصبح للاعتذار مكان، ولا يستطيع أحدهما أن يمد يده للآخر أو يسمع صوته أو يجلس معه في مجلس واحد، وتبقى الذكريات شاهدة على سنوات ضاعت في العناد، ويصبح الندم رفيقاً مؤلماً لمن بقي حيًّا يتمنى لو عاد الزمن لحظة واحدة ليقول لأخيه سامحني، أو ليحتضن قريباً طال جفاؤه، أو ليعيد إلى قلب أمه وأبيه فرحة اجتماع أبنائهما بعد سنوات من القطيعة.

وكم من مجالس عزاء شهدت دموعاً لم تستطع الخصومة أن تمنعها، وكم من جنازة أعادت إلى النفوس قيمة القريب الذي غاب، وكم من إنسان أدرك بعد الرحيل أن المسألة التي خاصم عليها لم تكن تستحق يوماً واحداً من القطيعة، فضلاً عن سنوات من الجفاء، فالموت لا يترك مجالاً لتصحيح المواقف وإنما يكشف للإنسان متأخراً كم كانت بعض خلافاته صغيرة، وكم كان ثمنها من العمر غالياً.

من هنا فإن المبادرة إلى الإصلاح لا تعني دائماً أن الإنسان هو المخطئ، أو أنه يتنازل عن حق ثابت له، بل تعني أنه أرفع من أن يجعل الخلاف يسرق منه عمره، وأنه يدرك الفرق بين حفظ الحق والإصرار على الخصومة، وبين العزة والتكبر وبين العفو والضعف.. فالصلح العادل لا يبرر الظلم، ولا يهدر الحقوق، وإنما يفتح باباً للحوار والإنصاف، ويمنح الأطراف فرصة لتجاوز الماضي، وبناء علاقة أكثر نضجاً ووعياً.

كما أن إصلاح ذات البين لا يقتصر على المتخاصمين وحدهم، بل يمتد إلى كل من يستطيع أن يكون جسراً بينهم من قريب حكيم أو صديق مخلص أو كبير أسرة أو صاحب وجاهة اجتماعية يحظى باحترام الطرفين، وهؤلاء تقع على عاتقهم مسؤولية عظيمة في احتواء الخلافات قبل اتساعها وعدم نقل الكلام الذي يزيد النار اشتعالاً، أو استغلال المواقف لتأجيج العداوة، بل ينبغي أن تكون كلماتهم جسوراً للعبور لا جدراناً للفصل، وأن يكونوا دعاة جمع لا أسباب فرقة.

وفي زمن أصبحت فيه الرسائل المتبادلة عبر الهواتف ومنصات التواصل قادرة على إشعال الخلافات، وتوسيع دائرة سوء الفهم، تزداد الحاجة إلى الحكمة والتثبت وعدم التسرع في الحكم على الآخرين، فقد تهدم رسالة مقتضبة علاقة عمرها سنوات، وقد تتحول كلمة منقولة بغير سياقها إلى سبب في قطيعة عائلية طويلة، بينما قد تنهي مكالمة صادقة أو زيارة كريمة خلافاً ظل يؤرق القلوب زمناً طويلاً.