إسرائيل تنتخب… انقسامات تتجاوز مصير نتنياهو

في ديمونا، أحد المعاقل التقليدية لحزب الليكود في جنوب إسرائيل، بات بعض الناخبين الذين أمضوا سنوات في تأييد بنيامين نتنياهو يطرقون أبواب جيرانهم لإقناعهم بالتصويت لمنافسه غادي أيزنكوت. وفي المدينة نفسها، لا يزال آخرون يعتبرون التصويت لليكود جزءاً من انتمائهم السياسي والاجتماعي، ويرفضون تحميل نتنياهو مسؤولية الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

يعكس هذا التباين جانباً من الأزمة التي تواجه إسرائيل وهي تتوجه إلى صناديق الاقتراع. فالصراع على بقاء نتنياهو أو رحيله يجري داخل مجتمع أنهكته الحروب، وتعمّقت خلافاته بشأن الجيش والدين والقضاء وهوية الدولة.

وبعد ثلاث سنوات من الحروب والتعبئة العسكرية، تبدو الانتخابات فرصة لتغيير القيادة بالنسبة إلى قسم من الإسرائيليين، فيما ينظر إليها آخرون باعتبارها معركة للدفاع عن خيارات الحكومة. لكن الخلافات التي تفاقمت خلال هذه السنوات تطرح سؤالاً يتجاوز هوية رئيس الوزراء المقبل إلى قدرة أي حكومة على معالجتها.

تحتل إخفاقات 7 تشرين الأول/أكتوبر موقعاً مركزياً في هذه الانقسامات. فقد تحوّل الخلاف بشأن المسؤولية عن الهجوم إلى مواجهة سياسية امتدت إلى المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية.

وفي استطلاع أجراه معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في أيلول/سبتمبر الماضي، أعرب 61% من المشاركين عن رضاهم عن إدارة الجيش للحرب في غزة، مقابل 34% فقط أبدوا رضاهم عن أداء الحكومة. وتكشف هذه الفجوة عن اختلاف واضح بين تقييم الإسرائيليين للمؤسسة العسكرية ونظرتهم إلى القيادة السياسية.

وقد تجلّى الخلاف مجدداً في 24 تشرين الأول الماضي، عندما احتشد عشرات الآلاف في تل أبيب للمطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر. وشارك في التظاهرة أفراد من عائلات القتلى والمحتجزين السابقين، إلى جانب قيادات معارضة، وسط استمرار رفض نتنياهو تشكيل لجنة تحقيق بالصلاحيات التي يطالب بها المحتجون.

ويساعد هذا الانقسام أيضاً في تفسير قدرة أيزنكوت، رئيس الأركان السابق، على استقطاب ناخبين من اليمين يرفضون استمرار نتنياهو، من دون أن يكونوا بالضرورة قد غيّروا مواقفهم الأمنية. ووفق بيانات أوردتها "رويترز"، فإن 55% فقط ممن صوّتوا لليكود في انتخابات 2022 يعتزمون تجديد تأييدهم له.

لكن تداعيات الحروب تتجاوز الصراع السياسي. فقد أعادت فترات الخدمة الطويلة لقوات الاحتياط طرح مسألة توزيع الأعباء بين فئات المجتمع، وجعلت إعفاء اليهود المتشددين دينياً، الحريديم، من التجنيد إحدى أبرز القضايا الانتخابية.

وبحسب استطلاع لمعهد الديموقراطية الإسرائيلي، نُشر في 14 تشرين الأول الماضي، يحظى إقرار قانون يلزم الحريديم بالخدمة العسكرية بتأييد واسع بين اليهود الإسرائيليين. ويعكس هذا الموقف اعتراضاً متزايداً على استمرار الإعفاءات بينما تتحمل عائلات أخرى أعباء الخدمة والخسائر البشرية والاقتصادية.

وتحوّل الخلاف إلى مواجهة قضائية وسياسية بعدما قضت المحكمة العليا عام 2024 بعدم وجود سند قانوني لاستمرار الإعفاءات الشاملة. وفي 3 أيلول/سبتمبر الماضي، أبطلت تشريعاً حكومياً يجمّد إجراءات إنفاذ التجنيد حتى ما بعد الانتخابات، فيما أثارت أوامر استدعاء الحريديم احتجاجات ورفضاً من قيادات دينية.

ويواجه نتنياهو هنا مأزقاً يصعب تسويته، نظراً إلى اعتماده على الأحزاب الحريدية التي تتمسك بالإعفاءات، في حين جعل خصومه المساواة في الخدمة العسكرية إحدى أولوياتهم. وقد بات الخلاف يمسّ العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية، ومستقبل التحالفات التي يمكن أن تُبنى عليها الحكومة المقبلة.

تعيد الانتخابات إلى الواجهة خلافاً إسرائيلياً قديماً بشأن هوية الدولة، التي تصف نفسها بأنها "يهودية وديموقراطية". ويتركز النقاش الداخلي على التوازن بين هذين الوصفين، في وقت تثير فيه سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين، وما تفرضه من احتلال وتمييز، تساؤلات جوهرية حيال صدقية ادعائها الديموقراطية.

وفي استطلاع لمعهد الديموقراطية الإسرائيلي في 23 تشرين الأول الماضي، اعتبر 24% فقط من اليهود الإسرائيليين أن هناك توازناً مناسباً بين الطابع اليهودي للدولة وما يصفونه بطابعها الديموقراطي. ورأى 41% أن الهوية اليهودية تطغى على الجانب الديموقراطي، مقابل 23% اعتبروا أن الجانب الديموقراطي يحظى بنفوذ أكبر مما ينبغي.

وتبدو الخلافات أشد عند المقارنة بين الفئات الدينية. فقد اعتبر 71% من العلمانيين أن الطابع اليهودي للدولة يطغى على الجانب الديموقراطي، فيما رأى 69% من الحريديم أن الجانب الديموقراطي يتمتع بنفوذ مفرط.

وتنعكس هذه التباينات في الصراع المستمر بشأن صلاحيات المحكمة العليا وحدود تدخل السلطة السياسية في القضاء. فالمواجهة التي سبقت الحرب حيال التعديلات القضائية لا تزال قائمة، بعدما أثارت مساعي الحكومة لتقييد سلطات القضاء احتجاجات واسعة قبل 7 أكتوبر.

وتريد أحزاب الائتلاف الحاكم استكمال التعديلات التي تحدّ من صلاحيات المحكمة العليا وتمنح السلطة السياسية نفوذاً أكبر في تعيين القضاة، بينما تتعهد قوى معارضة بالتراجع عن هذه الإجراءات. وقد تصبح تركيبة المحكمة نفسها موضع مواجهة جديدة، في ظل وجود مقاعد شاغرة واحتمال تعيين قضاة آخرين خلال ولاية الكنيست المقبلة.

أما الفلسطينيون داخل إسرائيل، فيواجهون واقعاً مختلفاً، إذ تتجاوز خلافاتهم مع القوى السياسية اليهودية مسألة البرامج الانتخابية إلى حدود مشاركتهم السياسية والمساواة في الحقوق.

وفي مطلع تشرين الأول، انسحب السياسي الفلسطيني سامي أبو شحادة، رئيس حزب التجمع، من السباق الانتخابي بعدما أبدت المحكمة العليا اتجاهاً لتأييد استبعاده بسبب مقال كتبه عن هجوم 7 أكتوبر. وفي المقابل، ألغت المحكمة قرارات استبعاد قوائم عربية أخرى. واعتبر أبو شحادة أن القضية تكشف ازدواجية المعايير القانونية بين المواطنين اليهود والعرب.

وتكتسب هذه الواقعة أهمية إضافية مع احتمال أن تصبح أصوات الأحزاب العربية حاسمة في تشكيل الحكومة المقبلة، في وقت لا تزال قوى سياسية يهودية رئيسية ترفض إشراكها في الائتلافات الحكومية. وهكذا، قد يمتلك الفلسطينيون داخل إسرائيل أصواتاً قادرة على ترجيح كفة أحد المعسكرين، من دون أن يضمن ذلك مشاركتهم في السلطة أو معالجة التمييز الذي يواجهونه.

وسواء بقي نتنياهو في السلطة أو غادرها، ستواجه الحكومة المقبلة مجتمعاً منقسماً حيال المحاسبة والتجنيد والقضاء وهوية الدولة. وقد تحدّد صناديق الاقتراع من يحكم إسرائيل، لكنها لن تحسم الخلاف على قواعد الحكم، أو تضع حداً لواقع الاحتلال والتمييز الذي يواجهه الفلسطينيون.