أيقونات بلا أثر: كيف اختفت ذاكرة بعض الكنائس في السوق السوداء؟

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

داخل كنيسة القديس جاورجيوس في جبال مقدونيا، فراغات قاتمة كانت تحتضن الأيقونات المقدسة قبل أن تُقتلع من مكانها. في نيسان 2014، اختفت عشرات الأيقونات من الكنيسة، بينها 23 عملاً للفنان المقدوني ديكو زوغراف، أحد أبرز رسامي الأيقونات في القرن التاسع عشر. أعماله التي يمكن أن تبلغ قيمتها عشرات آلاف الدولارات في السوق السوداء جعلت من الكنائس النائية أهدافاً مغرية لشبكات الاتجار بالفن الديني.

لكن ما حدث في هذه الكنيسة لم يكن حادثاً معزولاً. فمقدونيا الشمالية عاشت خلال سنوات طويلة واحدة من أكبر موجات سرقة التراث الديني في منطقة البلقان. وتشير تقارير إلى سرقة أكثر من 10 آلاف قطعة دينية وأثرية من كنائس البلاد، فيما يقدّر مدير متحف الدكتور نيكولا نزلوبيسكي في ستروغا، ساسو تسفيتكوفسكي، عدد الأيقونات المسروقة من كنائس غرب البلاد وحدها بأكثر من 500 أيقونة خلال عقد واحد، من أصل نحو 23 ألف أيقونة مسجلة رسمياً.

أيقونة مُستعادة من ألبانيا، معروضة في المتحف الوطني بمدينة سكوبيه في 15 كانون الأول/ديسمبر ( الصورة أ ب)

وتكشف الحدود المفتوحة أمام هذه التجارة عن وجه آخر للقضية. ففي تشرين الأول، ضبطت الشرطة في العاصمة الألبانية تيرانا 1077 أيقونة ولوحة جدارية وقطعة فنية دينية ودنيوية مسروقة، يعود تاريخها إلى الفترة الممتدة بين القرن الخامس عشر ومنتصف القرن العشرين، بينها قطع من مقدونيا.

ولعل قصة قبرص تكشف حجم هذه التجارة بصورة أكثر وضوحاً. فمنذ عام 1974، بعد سيطرة تركيا على الجزء الشمالي من الجزيرة، تعرضت مئات الكنائس والمواقع الدينية للنهب، واختفت آلاف القطع من الأيقونات والمخطوطات والفسيفساء والمقتنيات الكنسية.

من بين أشهر القضايا فسيفساء كنيسة كاناكاريا البيزنطية، التي اقتُطعت من موضعها وخرجت من قبرص لتظهر لاحقاً في أوروبا والولايات المتحدة. أمضى محقق الجرائم الفنية آرثر براند سنوات في تعقب إحدى القطع، قبل أن يعثر عليها في منزل عائلة بريطانية في موناكو. كانت العائلة قد اشترتها بحسن نية ولم تكن تعرف أنها مسروقة، وانتهت القضية بإعادتها إلى قبرص.

قبرص تستعيد اللوحة المصنوعة من الفسفساء للقديس مرقس بعد مرور 40 عاماً على سرقتها ( الصورة: أب)

ولم تكن فسيفساء كاناكاريا سوى واحدة من آلاف القطع المفقودة. ويقدّر مدير المتحف البيزنطي التابع لمؤسسة رئيس الأساقفة في نيقوسيا، يوانيس إلياديس، أن أكثر من 20 ألف أيقونة اختفت من الكنائس القبرصية. ومع مرور العقود، تحولت عملية استردادها إلى معركة قانونية وفنية طويلة، بعدما أصبحت القطع موزعة بين مجموعات خاصة وأسواق الفن في دول مختلفة.

أحياناً لا تكون المشكلة في السرقة وحدها، بل في اللحظة التي تدخل فيها الأيقونة إلى السوق. فكلما ابتعدت القطعة عن مكانها الأصلي، أصبح إثبات مصدرها أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تمر عبر تجار ووسطاء ومقتنين لا يعرف بعضهم تاريخها الحقيقي.

في روسيا، كشفت قضية قضائية في نيجني نوفغورود عن شبكة تخصصت بين عامي 2016 و2018 في سرقة الأيقونات والمقتنيات الكنسية من الكنائس والأديرة. وكانت إحدى أكبر عملياتها في دير الثالوث المقدس "ماكاريف" في أيار 2018، حين سرق أفراد الشبكة مجموعة من الأيقونات التي تعود إلى عام 1917، قدرت قيمتها بنحو 28.1 مليون روبل، أي حوالى 439 ألف دولار.

وكانت من بينها أيقونة "والدة الإله الفلاديميرية مع المعجزات"، التي قدّر الخبراء قيمتها بنحو 25 مليون روبل، وأيقونة "القديس نيقولاوس صانع العجائب مع معجزة ميرا"، بقيمة بلغت نحو 1.5 مليون روبل. وتمكنت الشرطة من استعادة عشر أيقونات وإعادتها، فيما تجاوزت قيمة الأضرار التي نسبت إلى الشبكة خلال عامين 30 مليون روبل.

ما اختفى من كنائس العراق خلال سنوات الحرب لا يمكن حصره بما تهدم من جدران أو أُحرق من مبانٍ. خلف الأبواب التي فُتحت بالقوة، خرجت أيقونات ومخطوطات وقطع كنسية عمرها قرون، بعضها اختفى في فوضى النهب، وبعضها الآخر وجد طريقه إلى شبكات الاتجار بالتراث. ومع سقوط الموصل في قبضة "داعش" عام 2014، دخلت هذه الكنوز مرحلة جديدة من الاستهداف، بعدما أصبحت الكنائس والأديرة نفسها أهدافاً لعمليات نهب وتخريب ممنهجة.

لا توجد حتى اليوم حصيلة موثقة تحدد عدد الأيقونات التي فُقدت أو نُهبت من الكنائس العراقية خلال سنوات الحرب وسيطرة تنظيم "داعش".

لكن تقارير الأمم المتحدة توثق بصورة واضحة تعرض الكنائس والأديرة في الموصل وسهل نينوى لعمليات نهب وتدمير ممنهجة، طالت الأيقونات والصلبان والكتب والمخطوطات والقطع الدينية.

وبينما بقيت أعداد كبيرة من هذه المقتنيات مجهولة المصير، تمكن الأب نجيب ميخائيل من إنقاذ نحو 800 مخطوطة من الموصل ونقلها إلى أربيل قبيل سقوط المدينة، في واحدة من أكبر عمليات إنقاذ التراث المسيحي العراقي خلال تلك المرحلة.

في لحظات الفوضى التي عصفت بالمدن والقرى السورية، فُتحت أبواب كنائس وأديرة، واختفت من داخلها أيقونات حملت على وجوهها قروناً من التاريخ. بعضها سُرق من أماكن العبادة، وبعضها خرج من البلاد عبر مسارات تهريب، لتتحول ذاكرة دينية سورية إلى قطع قابلة للبيع في سوق لا يعرف حدوداً.

ففي إدلب، وُثقت سرقة 11 أيقونة أثرية كانت مسجلة رسمياً لدى دائرة الآثار، فيما تعرضت كنائس ومواقع دينية وتاريخية أخرى لأضرار واسعة، من بينها كنيسة قلب لوزة البيزنطية الشهيرة.

وفي مناطق أخرى، تعرضت أديرة تاريخية لعمليات اقتحام ونهب، بينها أديرة مار سركيس وباخوس ومار تقلا في منطقة القلمون، حيث فُقدت أيقونات ومقتنيات دينية تعود إلى فترات تاريخية مختلفة. وتزداد خطورة هذه السرقات مع انتقال القطع بعيداً من أماكنها الأصلية، إذ يمكن تهريبها عبر الحدود وإدخالها إلى سوق الفن والتحف، حيث يصبح تتبعها أكثر تعقيداً واستعادتها أكثر صعوبة.

وثقت وكالة AP في مادة مصورة، اختفاء 37 أيقونة وصليباً في معلولا عام 2014، وهي كانت موجودة في دير مار سركيس وباخوس. لكن هذه القطع لم تبقَ كلها مفقودة؛ إذ عادت مجموعة منها إلى الكنيسة في كانون الأول/ديسمبر 2014.

وأفادت التقارير بأن السلطات السورية اشتبهت في تهريب بعض القطع إلى لبنان وعرضها للبيع. كما وثقت مصادر أخرى سرقة أيقونات ثمينة من كنائس وأديرة أخرى في معلولا، بينها دير مار سركيس وباخوس وكنيسة القديسين قزما ودميانوس وكنيسة القديس جاورجيوس.

لبنان يُعيد أيقونتان تعودان إلى مطلع القرن الثامن عشر إلى اليونان

لبنان... عندما ظهرت الأيقونات المسروقة في مزاد

لم يكن لبنان بعيداً عن مسارات الاتجار بالأيقونات المسروقة، إذ تحوّل في إحدى القضايا إلى محطة ظهرت فيها قطعتان بيزنطيتان نادرتان قبل أن تعودا إلى بلدهما الأصلي. ففي عام 2016، سُرقت من أحد المعارض في العاصمة اليونانية أثينا أيقونتان تعودان إلى مطلع القرن الثامن عشر، تصوّر إحداهما السيد المسيح، فيما تظهر في الثانية السيدة العذراء حاملة الطفل يسوع.