أمن المملكة ركيزة للأمن القومي العربي وليس ساحة للمزايدات – صبحي شبانة

الأمن القومي العربي ليس موضوعًا يصلح للمزايدة، ولا قضية تُترك لأصحاب الحناجر العالية كي يحولوها إلى سجال عابر تحت قبة البرلمان وعلى منصات التواصل الاجتماعي، ولا ميدانًا لاستعادة شعارات تجاوزها الزمن وأثبتت التجارب أن ارتفاع صوتها لا يعني بالضرورة صوابها، فالأمن القومي مسؤولية تاريخية، تفرضها الجغرافيا، وتحددها موازين القوة، وتصونها الدول التي تدرك أن بقاءها واستقرارها لا ينفصلان عن محيطها العربي، وأن أمن المملكة، بما تمثله من ثقل سياسي وعسكري واقتصادي وديني وإستراتيجي، ليس شأنًا هامشيًا يمكن التعامل معه بمنطق التعليق العابر أو التشكيك المجاني، بل هو ركن أصيل من أركان الأمن القومي العربي، ومصلحة مباشرة لكل دولة عربية تدرك طبيعة اللحظة التي تمر بها المنطقة، وتعرف أن استهداف دولة عربية مركزية لا يقف أثره عند حدودها، بل تمتد ارتداداته إلى مجمل التوازنات الإقليمية.

إن الدفاع عن أمن المملكة ليس انحيازًا عاطفيًا، ولا موقفًا تحكمه المجاملة السياسية، بل هو تعبير عن فهم استراتيجي لمصالح الأمة العربية، وعن إدراك ووعي أن المملكة ومصر تشكلان معًا أحد أهم أعمدة التوازن العربي، بحكم ثقلهما السياسي والجغرافي والاقتصادي، ومكانتهما في معادلات الإقليم، وقدرتهما على التأثير في مسارات الأزمات والحروب والتسويات، فالسعودية ليست مجرد دولة خليجية تواجه تهديدًا على حدودها، ومصر ليست دولة بعيدة عن تداعيات ما يجري في الخليج والبحر الأحمر، بل إن أمن البلدين يتقاطع عند مفاصل شديدة الحساسية، من أمن الملاحة الدولية إلى استقرار أسواق الطاقة، ومن حماية البحر الأحمر وممراته الحيوية إلى منع القوى الإقليمية من فرض معادلات الهيمنة والابتزاز على المنطقة.

إن الذين يختزلون أمن المملكة في خلاف سياسي عابر، أو ينظرون إلى الاعتداء على مصالحها باعتباره ملفًا يمكن اتخاذ موقف رمادي منه، يتجاهلون حقيقة أساسية، وهي أن أمن الدول العربية الكبرى ليس جزرًا منفصلة، وأن إضعاف إحداها يفتح المجال أمام اختلالات تتجاوز حدودها، فالمملكة بما تمتلكه من مكانة في العالمين العربي والإسلامي، وبما تمثله من ثقل اقتصادي في النظام الدولي، وبما تحتضنه من الحرمين الشريفين، ليست دولة عادية في حسابات المنطقة، وأمنها ليس مجرد بند في جدول العلاقات الثنائية، بل عنصر مؤثر في استقرار الإقليم كله، وأي تهديد جدي لسيادتها أو لمنشآتها الحيوية أو لحرية الملاحة المرتبطة بأمنها ومصالحها يستوجب موقفًا عربيًا مسؤولًا، لا أن يتحول إلى مادة للتشفي أو منصة لإعادة إنتاج الخصومات الأيديولوجية.

ولأن المواقف تُقاس بوقائع التاريخ لا بضجيج الشعارات، فإن العلاقة المصرية - السعودية تقدم مثالًا بالغ الدلالة على أن المصالح العربية المشتركة أعمق من الخلافات السياسية، وأن الدول التي تمتلك حسًا استراتيجيًا تستطيع تجاوز التباينات حين يتعلق الأمر بالمصير المشترك، فمنذ معاهدة الصداقة عام 1926، مرورًا باتفاقية الدفاع المشترك عام 1955، وصولًا إلى محطات مفصلية في تاريخ المنطقة، تشكلت بين القاهرة والرياض روابط لم تكن مجرد مجاملات دبلوماسية، بل تعبيرًا عن إدراك مبكر لأهمية التعاون بين قوتين عربيتين كبيرتين، تتكامل مكانتهما ومصالحهما، وتلتقي مسؤولياتهما في أكثر من ملف إقليمي ودولي، وقد وقفت المملكة إلى جانب مصر في محطات صعبة، من العدوان الثلاثي عام 1956 إلى حرب أكتوبر 1973، كما اتخذ الملك فيصل موقفًا عربيًا بارزًا باستخدام النفط أداة ضغط سياسية خلال الحرب، في سياق دعم الموقف العربي في مواجهة إسرائيل والدول المساندة لها، وليس استدعاء هذه المحطات دعوة إلى تحويل التاريخ إلى دفتر حسابات، ولا إلى مطالبة الأجيال الجديدة بأن تعيش أسيرة مواقف الماضي، وإنما هو تذكير بأن العلاقات بين الدول لا تُقرأ بانتقاء لحظة واحدة، ولا يصح اختزالها في خلاف عابر أو اختلاف في تقدير موقف، فالتاريخ الحقيقي للعلاقات المصرية - السعودية هو تاريخ من المصالح المتشابكة والتعاون المتكرر، تخللته بالتأكيد تباينات واختلافات، لكنها لم تلغِ حقيقة أن البلدين يدركان، كلما اشتدت الأزمات، أن التفاهم بينهما ضرورة تتجاوز حدود العلاقة الثنائية، وأن خسارة أحدهما ليست مكسبًا للآخر، بل ثغرة في الجدار العربي كله.

ولعل حرب اليمن في ستينيات القرن الماضي تقدم درسًا لا يجوز تجاهله في هذا السياق، فقد شهدت تلك المرحلة تباينًا حادًا بين القاهرة والرياض، وانخرط البلدان في حسابات متعارضة داخل الساحة اليمنية، قبل أن تفرض التجربة تكلفتها السياسية والعسكرية، وتدفع الطرفين إلى مراجعة المسار وصولًا إلى تسوية أنهت جانبًا من ذلك الصراع، وهذه الواقعة تحديدًا تبرهن أن الانفعال الأيديولوجي، مهما ارتفع صوته، لا يستطيع إلغاء الجغرافيا، وأن الصراع بين الدول العربية لا ينتج بالضرورة انتصارًا عربيًا، بل قد يفتح أبوابًا تستفيد منها القوى الأخرى، ويستنزف موارد كان الأولى أن تُوظف في التنمية وبناء القوة وحماية الاستقلال الوطني، ومن المؤسف أن بعض الخطابات التي لا تزال تستدعي مفردات ستينيات القرن الماضي تتعامل مع التاريخ باعتباره نصًا مغلقًا، لا تجربة تستوجب المراجعة والنقد، فتستعيد الشعارات نفسها، وتكرر اللغة ذاتها، وكأن العالم لم يتغير، وكأن موازين القوى لم تتبدل، وكأن الحروب التي استنزفت المنطقة لم تكشف شيئًا عن الفارق بين الحماسة السياسية والقدرة الفعلية على حماية الدولة وصون مصالحها.

إننا لسنا في وضع يسمح باجترار ماضي الهزائم تحت لافتات براقة، ولا بإعادة تسويق خطاب يرى في رفع الشعارات بديلًا عن بناء القوة، أو في مهاجمة الدول العربية الكبرى دليلًا على الاستقلال الوطني، فالمراجعة التاريخية ليست انتقاصًا من أحد، وإنما هي شرط ضروري لتجنب تكرار الأخطاء، واحترام تضحيات الشعوب التي دفعت أثمانًا باهظة نتيجة حسابات لم تكن دائمًا على مستوى التحديات، ولا يتعلق الأمر هنا بمخاصمة تجربة تاريخية أو إنكار ما كان فيها من طموحات تحررية ومشروعات للتضامن العربي، فلكل مرحلة ظروفها، ولكل تجربة ما لها وما عليها، وإنما يتعلق برفض تحويل الماضي إلى سلطة تعطل الحاضر، أو إلى معيار وحيد للحكم على سياسات الدول ومواقفها، فمن حق الأجيال أن تراجع التجارب الناصرية وغيرها مراجعة نقدية جادة، وأن تميز بين أهداف التحرر والوحدة وبين النتائج التي أفضت إليها بعض السياسات، ومن حقها كذلك أن تسأل بوضوح: ماذا بقي من الشعارات إذا لم تتحول إلى مؤسسات قوية، واقتصادات قادرة، وجيوش محترفة، ودول تحترم سيادتها وسيادة جيرانها؟، وأي معنى للخطاب القومي إذا انتهى إلى التشكيك في أمن دولة عربية، أو إلى التعامل مع تهديداتها باعتباره فرصة لتصفية الحسابات السياسية؟