إن الإنسان المعاصر يمتلك معلومات لم يمتلكها أي إنسان قبله. ولكن السؤال المفصلي هو: هل هو قادر على التفكير فيما لديه من معرفة؟ وهل يستطيع إدارتها واستثمارها وبناء معرفة جديدة انطلاقًا منها؟ هل أكسبته المعرفة الحكمة أم سلبته ذاته؟ هل جعلته على حقيقته أم جعلته صدى لغيره؟ هل جعلته مستقلًا فكريًا أم مجرد مكرر لما يقوله الآخرون؟ هل جعلته منتجًا للمعرفة أم مرددًا لها؟
إن لم ينل الحكمة من هذه المعرفة، أليس عدم امتلاكها أفضل؟ أليس من الممكن أنه كلما زادت معلوماته نقص وعيه؟
إن التقدم المعرفي والتقني لا يعني بالضرورة تطور طريقة التفكير. فالمعرفة هي أن تعرف الأشياء، أما الحكمة فهي أن تعرف كيف تفهمها وتتعامل معها. فالإنسان المعاصر يقرأ كثيرًا، ولكنه يظل أسيرًا لتصوراته المسبقة وأحكامه الماضية، بينما الإنسان الحكيم هو الذي يتجدد ويتبدل فكريًا باستمرار.
هل نحتاج إلى معلومات أكثر أم إلى عقل أفضل؟ لا نريد أن ندرّب العقل على كيفية الحصول على المعلومة، وإنما نريد أن نعلّمه كيف يشك فيما يتلقاه من معلومة. لا نريده أن يتعلم أكثر، بل أن يراجع ما لديه أكثر. نريده أن يتعلم التفكير النقدي، لا الحفظ التلقائي. إننا نتساءل كثيرًا: لماذا تطور العلم، وتخلفت الأخلاق؟ أليس جمود الفكر سببًا رئيسًا في عدم انعكاس التقدم العلمي على الأخلاق؟
يجب أن نتعلم كيف نحوّل الذات العارفة إلى ذات مفكّرة، وكيف نحوّل العارفين إلى حكماء.
ان الحكيم هو الذي يفكر فيما يقرأ، وينتقد ما يسمع، ولا يسلّم بالمعلومة لمجرد أنها جديدة، أو لأن قائلها ذو مكانة علمية أو فكرية كبيرة. فالحكيم لا يسأل ماذا عرفت؟ بل كيف عرفت؟ وما الذي يجعلني مخطئًا؟
إن الحكيم هو الذي يدرك تمامًا أن الله قسّم المحاسن والمثالب بين البشر؛ فإذا أردت الحكمة، فعليك أن تأخذ من كل بستان زهرة. فالحكمة ضالّة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها.
إننا نجد أشخاصًا لديهم معلومات بلا حدود، ولكنهم أغبياء بلا حدود! إننا بحاجة إلى الانتقال من ذات عارفة إلى ذات ناقدة ومن الحفظ الأعمى للمعلومات إلى فحصها وتمحيصها
لماذا أحيانًا نجد البدوي في صحرائه أكثر وعيًا ممن درسوا في أرقى الجامعات الغربية؟
الجواب أن البدوي قد تماهى مع الطبيعة، وعانق الفطرة، وصار عقله يعمل تلقائيًا؛ بينما صاحبنا يكرر ما تقوله الجامعات الغربية دون شك أو تفكير، ويتلقى المعلومة وكأنها حقيقة مطلقة لا مراء فيها، فتتعطل تلقائية عقله وتتجمد قريحة فكره.
إن الرواد الحقيقيين لم يصبحوا روادًا إلا بعد أن شكّوا في تصوراتهم المسبقة وأحكامهم الموروثة، وأسقطوا أفكار الحكماء الذين سبقوهم بالحكمة. فمهما بلغت حكمة ذلك الحكيم في الماضي البعيد، فإنها تظل حكمة بشرية، وليست صالحة لكل زمان ومكان. قد تصلح في أزمنة كثيرة، ولكنها لا تصلح بالضرورة لكل الأزمنة.
وأنا لا أبرّئ نفسي؛ فقد أكون أسوأ من هؤلاء الذين أنتقدهم، ولكني لا ألحظ عيوبي بسهولة. ولا سبيل إلى ملاحظتها إلا بإطلاق العنان للنقد الذاتي أولًا، والنقد الفكري ثانيًا.
إن الإنسان المعاصر يمتلك معلومات لم يمتلكها أي إنسان قبله. ولكن السؤال المفصلي هو: هل هو قادر على التفكير فيما لديه من معرفة؟ وهل يستطيع إدارتها واستثمارها وبناء معرفة جديدة انطلاقًا منها؟ هل أكسبته المعرفة الحكمة أم سلبته ذاته؟ هل جعلته على حقيقته أم جعلته صدى لغيره؟ هل جعلته مستقلًا فكريًا أم مجرد مكرر لما يقوله الآخرون؟ هل جعلته منتجًا للمعرفة أم مرددًا لها؟
إن لم ينل الحكمة من هذه المعرفة، أليس عدم امتلاكها أفضل؟ أليس من الممكن أنه كلما زادت معلوماته نقص وعيه؟
إن التقدم المعرفي والتقني لا يعني بالضرورة تطور طريقة التفكير. فالمعرفة هي أن تعرف الأشياء، أما الحكمة فهي أن تعرف كيف تفهمها وتتعامل معها. فالإنسان المعاصر يقرأ كثيرًا، ولكنه يظل أسيرًا لتصوراته المسبقة وأحكامه الماضية، بينما الإنسان الحكيم هو الذي يتجدد ويتبدل فكريًا باستمرار.
هل نحتاج إلى معلومات أكثر أم إلى عقل أفضل؟ لا نريد أن ندرّب العقل على كيفية الحصول على المعلومة، وإنما نريد أن نعلّمه كيف يشك فيما يتلقاه من معلومة. لا نريده أن يتعلم أكثر، بل أن يراجع ما لديه أكثر. نريده أن يتعلم التفكير النقدي، لا الحفظ التلقائي. إننا نتساءل كثيرًا: لماذا تطور العلم، وتخلفت الأخلاق؟ أليس جمود الفكر سببًا رئيسًا في عدم انعكاس التقدم العلمي على الأخلاق؟
يجب أن نتعلم كيف نحوّل الذات العارفة إلى ذات مفكّرة، وكيف نحوّل العارفين إلى حكماء.
ان الحكيم هو الذي يفكر فيما يقرأ، وينتقد ما يسمع، ولا يسلّم بالمعلومة لمجرد أنها جديدة، أو لأن قائلها ذو مكانة علمية أو فكرية كبيرة. فالحكيم لا يسأل ماذا عرفت؟ بل كيف عرفت؟ وما الذي يجعلني مخطئًا؟
إن الحكيم هو الذي يدرك تمامًا أن الله قسّم المحاسن والمثالب بين البشر؛ فإذا أردت الحكمة، فعليك أن تأخذ من كل بستان زهرة. فالحكمة ضالّة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحق بها.
إننا نجد أشخاصًا لديهم معلومات بلا حدود، ولكنهم أغبياء بلا حدود! إننا بحاجة إلى الانتقال من ذات عارفة إلى ذات ناقدة ومن الحفظ الأعمى للمعلومات إلى فحصها وتمحيصها
لماذا أحيانًا نجد البدوي في صحرائه أكثر وعيًا ممن درسوا في أرقى الجامعات الغربية؟
الجواب أن البدوي قد تماهى مع الطبيعة، وعانق الفطرة، وصار عقله يعمل تلقائيًا؛ بينما صاحبنا يكرر ما تقوله الجامعات الغربية دون شك أو تفكير، ويتلقى المعلومة وكأنها حقيقة مطلقة لا مراء فيها، فتتعطل تلقائية عقله وتتجمد قريحة فكره.
إن الرواد الحقيقيين لم يصبحوا روادًا إلا بعد أن شكّوا في تصوراتهم المسبقة وأحكامهم الموروثة، وأسقطوا أفكار الحكماء الذين سبقوهم بالحكمة. فمهما بلغت حكمة ذلك الحكيم في الماضي البعيد، فإنها تظل حكمة بشرية، وليست صالحة لكل زمان ومكان. قد تصلح في أزمنة كثيرة، ولكنها لا تصلح بالضرورة لكل الأزمنة.
وأنا لا أبرّئ نفسي؛ فقد أكون أسوأ من هؤلاء الذين أنتقدهم، ولكني لا ألحظ عيوبي بسهولة. ولا سبيل إلى ملاحظتها إلا بإطلاق العنان للنقد الذاتي أولًا، والنقد الفكري ثانيًا.
الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.
أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.