أزمات المنطقة.. هل تصل تداعياتها إلى رفوف الدواء؟ – د. عبدالمحسن الرحيمي

قد يكون الدواء متوافرًا في المصنع، ومطلوبًا في المستشفى، ومع ذلك يتأخر وصوله إلى المريض. فبين الإنتاج والاستخدام تمتد شبكة من المواد الخام والمصانع والموانئ والمستودعات ووسائل النقل. وحين تضطرب المنطقة، تتعرض هذه الشبكة لضغوط تثير سؤالًا مباشرًا: متى يتحول تعطل الإمدادات إلى نقص في العلاج؟

تقدم التقارير الدولية شواهد على تأثر الإمدادات الصحية بالفعل. ففي 11 مارس 2026، أعلنت منظمة الصحة العالمية تأثر أكثر من خمسين طلبًا لإمدادات الطوارئ، كانت تستهدف خدمة أكثر من مليون ونصف المليون شخص في خمس وعشرين دولة. وهذه الأرقام تخص إمدادات طارئة، لكنها تكشف كيف يمتد أثر اضطراب النقل إلى احتياجات صحية خارج مناطق الصراع.

وفي تقريرها الصادر في 26 مارس 2026، أشارت اليونيسف إلى احتمال إطالة مدد تسليم الإمدادات بما يتراوح بين أربعة وستة أشهر، نتيجة تغيير المسارات وازدحام الموانئ وضغوط الإنتاج والشراء. وذكرت أن الشحن الجوي يكلف أربعة إلى ستة أضعاف الشحن البحري. وتوضح هذه التقديرات، ضمن نطاق التقرير، كيف قد تقترن صعوبة الوصول بارتفاع تكلفة تأمين الإمدادات العاجلة.

ومع ذلك، تتفاوت النتائج بحسب قدرة الأنظمة الصحية على التعويض. ففي تحديث صادر في أغسطس 2026، أشارت الجهة المسؤولة عن سلاسل الإمداد التابعة للخدمات الصحية الوطنية البريطانية إلى استمرار تدفق المنتجات، ورجحت أن يكون ارتفاع التكلفة هو الأثر الأبرز في نطاق إمداداتها، أكثر من تعطل كبير في التوافر. فالاضطراب يرفع المخاطر، بينما تحدد الجاهزية مدى انتقالها إلى المريض.

ومن منظور دوائي ورقابي، أرى أن تقييم الجاهزية يبدأ بفهم مواطن الاعتماد داخل سلسلة كل مستحضر. فقد تتعدد الأسماء التجارية والوكلاء، بينما تعتمد المنتجات على مصنع واحد للمادة الفعالة، أو منشأة واحدة للتصنيع المعقم، أو مسار نقل مشترك. وهنا قد يبدو السوق متنوعًا، مع بقاء نقطة الاعتماد الحرجة واحدة. لذلك ينبغي أن يمتد التقييم إلى مصادر المواد الفعالة والسواغات والعبوات، والطاقة الإنتاجية المتاحة، والزمن اللازم لاعتماد البدائل.

كما يستحق المخزون قراءة تتجاوز عدد العبوات الموجودة. فالمهم هو مقدار ما يغطيه من الاستهلاك المتوقع، وتوزيعه بين المنشآت، والمدة المتبقية من صلاحيته، وموعد وصول الشحنة التالية. وقد يختلف تقدير الأمان إذا ارتفع الطلب أو طال زمن التوريد. ومن ثم، فإن قراءة المخزون بمعزل عن الاستهلاك ومسار التعويض قد تعطي صورة مطمئنة أكثر مما تسمح به الوقائع.

وتبرز هنا مساهمة الجهات الرقابية في تحويل المعلومات المبكرة إلى إجراءات. ففي تقرير هيئة الغذاء والدواء الأمريكية إلى الكونغرس عن عام 2024، أفادت بأنها عملت مع المصنعين على منع وقوع 283 حالة نقص دوائي. وأكدت أن الإبلاغ المبكر عن انقطاع التصنيع أو توقفه منحها وقتًا للعمل مع الشركات، إلى جانب استخدام أدوات تنظيمية تشمل تسريع المراجعات والتفتيش عند الحاجة.

وفي أوروبا، أعقبت أزمة المضادات الحيوية خلال شتاء 2022 – 2023 إجراءات لمراقبة العرض والطلب والتنسيق مع المصنعين. ووفق وكالة الأدوية الأوروبية، أبلغت غالبية الدول الأعضاء عن تحسن كبير أو انتهاء حالات النقص في يناير 2024. كما أُنشئت آلية تضامن طوعية تتيح طلب المساعدة من مخزونات الدول الأخرى عند حدوث نقص حرج. وتقدم التجربتان درسًا عمليًا في قيمة الإنذار المبكر والتنسيق قبل استنفاد الخيارات.

وفي المملكة، توجد أدوات يمكن تعزيز تكاملها؛ فالهيئة العامة للغذاء والدواء تستقبل بلاغات نقص الأدوية عبر نظام «تيقظ»، وتؤكد أهمية الإبلاغ قبل وصول المخزون إلى الصفر، إلى جانب متابعة التزام المنشآت بالتوفير والتبليغ عن حركة الدواء وتوقع انقطاع الإمداد. ويمكن البناء على ذلك باختبارات دورية لسيناريوهات تعطل مورد أو مسار شحن، وتحديد مسؤوليات التدخل والوقت المتاح لتأمين البدائل.

ويأتي المحتوى المحلي ليعزز القدرة على الاستجابة على المدى الأطول. وأقترح أن تتكامل جهود هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية مع الجهات الصحية والصناعية والرقابية في توجيه فرص التوطين نحو الأدوية التي تجمع بين أهمية علاجية مرتفعة واعتماد خارجي يصعب تعويضه. فالأولوية الاستثمارية ينبغي أن تراعي عواقب الانقطاع وعمق القدرة الصناعية التي سيضيفها المشروع.

ويمكن أن تدعم الجهات الرقابية هذا التوجه بتحديد المستحضرات الحرجة وتحليل مخاطر مصادرها، لتسترشد جهات الشراء والتوطين بهذه النتائج عند ترتيب الأولويات. وبذلك تتصل بيانات التوافر بقرارات الاستثمار، ويصبح تقليل الاعتماد القابل للتعطل هدفًا يمكن قياسه.

ويشمل ذلك نقل المعرفة وتنمية مصادر المواد والمدخلات، مع تعاقدات تدعم استقرار الطلب، ومؤشرات تقيس الالتزام بالتسليم والقدرة على زيادة الإنتاج. كما يستحق استقرار التوريد وزنًا واضحًا في قرارات الشراء، إلى جانب الجودة والتكلفة؛ لأن القيمة الفعلية للعقد تتصل بقدرة المورد على الوفاء به وقت الضغط.

إن حماية الإمداد الدوائي تتطلب معرفة دقيقة بمصدر كل حلقة وقدرتها على الاستمرار وبدائلها. ويمكن للبيانات والتحليل التنبؤي دعم هذه المعرفة، متى ارتبطت بإجراءات تنفيذية واضحة. فالمريض الذي يحين موعد علاجه يحتاج إلى منظومة استبقت التعطل، وأبقت الدواء متاحًا في الوقت الذي يحتاج إليه.

قد يكون الدواء متوافرًا في المصنع، ومطلوبًا في المستشفى، ومع ذلك يتأخر وصوله إلى المريض. فبين الإنتاج والاستخدام تمتد شبكة من المواد الخام والمصانع والموانئ والمستودعات ووسائل النقل. وحين تضطرب المنطقة، تتعرض هذه الشبكة لضغوط تثير سؤالًا مباشرًا: متى يتحول تعطل الإمدادات إلى نقص في العلاج؟

تقدم التقارير الدولية شواهد على تأثر الإمدادات الصحية بالفعل. ففي 11 مارس 2026، أعلنت منظمة الصحة العالمية تأثر أكثر من خمسين طلبًا لإمدادات الطوارئ، كانت تستهدف خدمة أكثر من مليون ونصف المليون شخص في خمس وعشرين دولة. وهذه الأرقام تخص إمدادات طارئة، لكنها تكشف كيف يمتد أثر اضطراب النقل إلى احتياجات صحية خارج مناطق الصراع.

وفي تقريرها الصادر في 26 مارس 2026، أشارت اليونيسف إلى احتمال إطالة مدد تسليم الإمدادات بما يتراوح بين أربعة وستة أشهر، نتيجة تغيير المسارات وازدحام الموانئ وضغوط الإنتاج والشراء. وذكرت أن الشحن الجوي يكلف أربعة إلى ستة أضعاف الشحن البحري. وتوضح هذه التقديرات، ضمن نطاق التقرير، كيف قد تقترن صعوبة الوصول بارتفاع تكلفة تأمين الإمدادات العاجلة.

ومع ذلك، تتفاوت النتائج بحسب قدرة الأنظمة الصحية على التعويض. ففي تحديث صادر في أغسطس 2026، أشارت الجهة المسؤولة عن سلاسل الإمداد التابعة للخدمات الصحية الوطنية البريطانية إلى استمرار تدفق المنتجات، ورجحت أن يكون ارتفاع التكلفة هو الأثر الأبرز في نطاق إمداداتها، أكثر من تعطل كبير في التوافر. فالاضطراب يرفع المخاطر، بينما تحدد الجاهزية مدى انتقالها إلى المريض.