أحمد هاشمية: خارج العباءة الحريرية… وعالق في ظلّها

ليس سهلاً على من بنى حضوره السياسي في كنف «تيار المستقبل» أن يخرج من عباءته ويؤسّس لنفسه حيثية مستقلّة. تلك هي المعضلة التي يواجهها رئيس «جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية»، أحمد هاشمية، في محاولته الانتقال من موقع أحد رجالات الحريرية السياسية إلى موقع المنافس لها على جمهورها ونفوذها. فالرجل الذي يسعى إلى التحرّر من وصاية «بيت الوسط» يستمدّ معظم رصيده من البيئة نفسها التي يريد التمايز عنها، فيما لا يبدو أنّ خصوم «المستقبل» مستعدّون لاستقباله بوصفه واحداً منهم. هكذا، يجد «أبو فؤاد» نفسه في منزلة بين منزلتين: لم يعد محسوباً بالكامل على الحريريين، ولم يصبح رقماً مستقلاً في المعادلة السياسية البيروتية.

لم يأتِ هذا التحوّل دفعة واحدة، بل سبقته خطوات أظهرت اتساع المسافة بين هاشمية و«المستقبل». وكان أبرزها انخراطه، من خلف الستار، في الانتخابات البلدية في بيروت، دعماً للائحة جمعت قوى من خصوم التيار الأزرق، بينها «القوات اللبنانية» و«جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية» والنائب فؤاد مخزومي. ثم جاء التباين في انتخابات اتحاد جمعيات العائلات البيروتية، ولقاؤه السرّي بمخزومي، في محاولة لنسج تحالف معه.

وإذا كانت هاتان الواقعتان هما الأبرز في مسار ابتعاده عن «المستقبل»، فإنّهما لم تكونا الوحيدتين. فقد توالت خطوات التمايز، من التقرّب من شخصيات لا ترغب قيادة التيار في إعادة تعويمها، إلى إطلاق مواقف تخالف توجّهات الحريري، ورعاية مؤتمرات لا تحمل اسمه ولا ترتبط مباشرة بجمهور «المستقبل»، خلافاً لما درج عليه هاشمية في بدايات حضوره السياسي. ويُضاف إلى ذلك تدخّله في انتخابات بعض نقابات المهن الحرّة، و«غرس» موظفين في الإدارات العامة من غير المحسوبين على المستقبل.

سابقاً، كان بعض المعنيين يضعون هذا التباين في خانة توزيع «صحي» للأدوار، يتيح لـ«المستقبل» إبقاء قنواته مفتوحة مع مختلف القوى. حتى الخلاف بين هاشمية والأمين العام للتيار، أحمد الحريري، كان يُنظر إليه من هذه الزاوية، إذ يتيح وجود «الأحمدين» لمن لا يستسيغ أحدهما أن يجد في الآخر مرجعية داخل البيت نفسه، بما يحول دون خسارة المحازبين والمناصرين.ولذلك، ظلّ الخلاف مضبوطاً تحت سقف سعد الحريري. وكلّما شعر الأخير بأنّ الأمور توشك على الخروج عن السيطرة، تدخّل لإعادة ترتيب العلاقة، إمّا باستدعاء أحد الرجلين أو كليهما إلى الإمارات، وإمّا باتصالات تُراوِح بين جبر الخواطر والتأنيب.

يُراهِن هاشمية على أن يُسيِّل ابتعاده عن بيت الوسط قُرباً من السعوديّة

غير أنّ رواية توزيع الأدوار لم تعد مُقنِعة لكثيرين. فالعلاقة بين هاشمية وسعد الحريري، وفق ما يُتداول في أوساط «المستقبل»، بلغت مستوى من التوتر ظهر خلال زيارة الأخير إلى بيروت في شباط الماضي. وترافق ذلك مع حملات شنّها مناصرون للتيار على هاشمية عبر مواقع التواصل الاجتماعي في مناسبات عدة، من بينها انتقاده لعدم نشر صور توثّق مشاركته في إحياء ذكرى اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كذلك، يتردّد أنّ التواصل بين الرجلين بات محدوداً، باستثناء اتصالات متفرّقة يُجريها الحريري لتوبيخ هاشمية على بعض تصرفاته.

وبالتالي، يبدو أنّ الصراع وصل إلى نقطة اللاعودة، بعدما اقتنع هاشمية بأنّ رهانه على إمكانية تحوّله إلى «الرقم واحد» في حسابات الحريري مستحيل. فالمنافسة التي حشر نفسه فيها على مدى السنوات السابقة انتهت إلى نتيجة كانت محسومة منذ البداية: لا أحد يمكنه التقدّم على النائبة السابقة بهية الحريري ونجلها أحمد لدى رئيس «الزرق». كذلك، لم ينجح هاشمية في إقناع الحريري بامتلاكه الحنكة السياسية أو الأداء الشعبي «الربّيح»، بعدما خرج خاسراً من معظم المعارك التي خاضها في مواجهة خصومه.

على هذه الخلفية، يحاول «أبو فؤاد» تدشين مرحلة جديدة خارج «القفص الأزرق»، لكنّ محاولته تصطدم بتناقض يصعب تجاوزه: فهو ابن الحريرية السياسية الذي يريد التمرّد عليها، ويسعى إلى بناء قاعدة شعبية مستقلّة عن الحريري، فيما يتشكّل معظم جمهوره من القاعدة نفسها التي يستند إليها «تيار المستقبل»، في وقت أثارت لقاءاته وتحالفاته امتعاضاً في الأوساط الحريرية، وترسّخ لدى شريحة من مناصري «المستقبل» انطباع بأنّه انضمّ إلى قائمة الطامحين إلى وراثة سعد الحريري، ممّن انفضّوا من حوله وغدروا به. وفي المقابل، لا يحظى هاشمية بقبول واسع لدى المنشقّين عن «المستقبل» أو خصومه، إذ ينظرون إليه بوصفه أحد رجالات «بيت الوسط»، مهما حاول الابتعاد عنه.

وإلى ذلك، فقد ارتبط اسمه بكثرة الوعود التي لا تقابلها نتائج ملموسة، سواء على مستوى المعارك السياسية التي خاضها، أو المساعدات المالية والمشاريع التي أعلن عزمه على تنفيذها.أمّا الرهان على بناء حيثية سنّية مستقلّة، تتيح له تقديم نفسه بديلاً أو وكيلاً سياسياً عن الحريري، وتفتح أمامه أبواب الرياض، فلم يحقّق بدوره النتائج المرجوّة. فبحسب متابعين، لا يرتبط التحفّظ السعودي على هاشمية، الذي يحمل الجنسية السعودية، بقربه السابق من سعد الحريري وحده، بل بعوامل أخرى تتصل بتوازنات النفوذ داخل دوائر القرار في المملكة، فضلاً عن اعتبارات مالية مرتبطة بها. وفي ظلّ استمرار هذا الانسداد، تتجه رهاناته نحو الإدارة السورية الجديدة.وبين طموح يتجاوز حجمه السياسي، وحسابات لا تسير وفق ما يشتهي، يواجه «أبو فؤاد» احتمال إضافة خسارة جديدة إلى سجلّ معاركه.