عامٌ مضى على رحيل أبي، وسبعةٌ وثلاثون عامًا على رحيل أمي... وبين الرحيلين عمرٌ من الشوق، وذاكرةٌ لا يطويها الزمن.
ليست كل الأحزان تُشفى بمرور الأيام، وليست كل الغيابات تصبح عابرةً مهما طال بها العمر؛ فهناك أشخاص إذا رحلوا أخذوا معهم شيئًا من أرواحنا، وتركوا في القلب فراغًا لا يملؤه أحد.
عامٌ كاملٌ مضى منذ أن غاب أبي، وما زال وقع الفقد كما هو، وما زال القلب كلما مرّ طيفه يرفض أن يصدق أن ذلك الصوت الذي اعتدنا سماعه أصبح ذكرى، وأن المكان الذي كان يزدحم بحضوره أصبح ينتظر عودته التي لن تكون.
تغيّر للمجلس طعمه، وللبيت هدوؤه، وللأيام لونها.
صارت الأماكن التي كنت تجلس فيها تتحدث عنك بصمت، وصرت ألتفت أحيانًا وكأنني سأراك أمامي، ثم أتذكر أن بيني وبين رؤيتك في هذه الدنيا قدرًا اسمه الفراق.
كنت أظن أن مرور عامٍ سيجعل الغياب أخف، وأن الأيام ستعلّم القلب كيف يتعايش مع الفقد، لكنني أدركت أن فقد الأب ليس حزنًا ينتهي بانتهاء أيامه، بل هو فراغٌ يبقى في العمر كله.
فالأب ليس مجرد شخصٍ في حياتنا؛ الأب سندٌ وأمان، وظهرٌ نتكئ عليه حين تثقل بنا الحياة، ووجودٌ يمنحنا شعورًا بأن لنا في هذه الدنيا من لا يتخلى عنا.ولهذا، فإن رحيلك يا أبي لم يكن رحيل شخصٍ فقط، بل كان رحيل جزءٍ من الأمان الذي عشته، وغياب وجهٍ كنت أجد فيه الطمأنينة دون أن أطلبها.
أما أمي، فقصتها أقدم من الكلمات، وغيابها أعمق من أن تختصره سبعةٌ وثلاثون عامًا.
رحلت أمي منذ عقود، لكن الزمن لم يستطع أن يأخذها من ذاكرتي.
كبرت، وتبدلت الحياة، وتغيّرت الوجوه، ومضت السنون، وبقيت صورتها في القلب كما هي؛ أمًا لا يغيب حضورها وإن غاب جسدها.
سبعةٌ وثلاثون عامًا مضت، وما زالت الأم مكانًا لا يستطيع أحد أن يحتله.
وحين رحل أبي، لم أشعر أنني فقدت أبي وحده؛ شعرت أن بابًا أخيرًا كان يصلني بذلك الزمن الجميل قد أُغلق.
عاد وجع أمي من جديد، وكأن رحيل أبي أعاد إلى القلب كل أحزان الفقد التي ظننت أن السنين أخمدتها.
بقيتما في الدعاء، وفي الذاكرة، وفي كل موقفٍ جميل يعيدني إلى الماضي، وفي كل لحظة حنين تجعل العين تدمع والقلب يشتاق.
لم يعد لي منكما إلا الذكرى والدعاء والصدقة، وما أرجوه من الله أن يجعل كل ما أقدمه لكما نورًا يصل إليكما في قبريكما.
لقد علّمتني الحياة أن بعض الأحبة لا يصبحون ماضيًا مهما طال الزمن، لأنهم ببساطة يصبحون جزءًا من الإنسان نفسه.
أبي وأمي... أنتما في دعائي كل يوم، وفي ذاكرتي كلما مرّ طيفٌ من الماضي، وفي قلبي ما بقي من العمر.
رحم الله وجهين لن يتكررا، وقلبين لن يعوضهما أحد، وبيتًا كان وجودهما فيه يعني لي الدنيا كلها.
وهذه أبيات خرجت من قلبٍ ما زال يحمل فراقهما، بعد عامٍ على رحيل أبي، وسبعةٍ وثلاثين عامًا على رحيل أمي:
وفقد الوالدين بقلبي جرحٍ ما له طبّ ولا أسباب
وتجمعني بكم في جنان الخلد بلا خوفٍ ولا عتاب
وترزقني الصبر الجميل إلى يوم اللقاء والحساب
اللهم يا رحمن يا رحيم، ارحم أبي وأمي رحمةً واسعةً تسع السماوات والأرض.
اللهم اغفر لهما، واعفُ عنهما، وأكرم نزلهما، ووسّع مدخلهما، واغسلهما بالماء والثلج والبرد، ونقّهما من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اجعل قبريهما نورًا وضياءً، وآنس وحشتهما، وارحم غربتهما، وافتح لهما بابًا من الجنة لا يُغلق.
اللهم اجعل قبريهما روضةً من رياض الجنة، ولا تجعلهما حفرةً من حفر النار.
اللهم ارفع درجاتهما في المهديين، واجزهما عني خير ما جزيت والدين عن أبنائهما، واجعل كل دعاءٍ أرفعه لهما وكل صدقةٍ أخرجها عنهما نورًا يصل إليهما ورحمةً تحفهما.
اللهم إنهما كانا نعمةً عظيمةً في حياتي، فاجعل رحمتك بهما أعظم من كل ما أتمنى.
اللهم لا تحرمني أجرهما، ولا تحرمهما من دعائي، واغفر لهما بقدر شوقي إليهما، وبقدر ما في قلبي من حنينٍ لهما.
اللهم اجمعني بأبي وأمي في جنات النعيم، في مستقر رحمتك، تحت ظلك يوم لا ظل إلا ظلك، لقاءً لا فراق بعده، ولا حزن، ولا مرض، ولا موت.
اللهم اجمعنا بهم في دارٍ لا يوجع فيها قلب، ولا تذرف فيها عين، ولا يعرف أهلها معنى الفراق.
اللهم ارحم أبي وأمي، واجعل الجنة دارهم، والفردوس الأعلى مستقرهم، واجمعنا بهم لقاءً أبديًا لا يعقبه فراق.
إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنّا على فراقهما لمحزونون.
عامٌ مضى على رحيل أبي، وسبعةٌ وثلاثون عامًا على رحيل أمي... وبين الرحيلين عمرٌ من الشوق، وذاكرةٌ لا يطويها الزمن.
ليست كل الأحزان تُشفى بمرور الأيام، وليست كل الغيابات تصبح عابرةً مهما طال بها العمر؛ فهناك أشخاص إذا رحلوا أخذوا معهم شيئًا من أرواحنا، وتركوا في القلب فراغًا لا يملؤه أحد.
عامٌ كاملٌ مضى منذ أن غاب أبي، وما زال وقع الفقد كما هو، وما زال القلب كلما مرّ طيفه يرفض أن يصدق أن ذلك الصوت الذي اعتدنا سماعه أصبح ذكرى، وأن المكان الذي كان يزدحم بحضوره أصبح ينتظر عودته التي لن تكون.
تغيّر للمجلس طعمه، وللبيت هدوؤه، وللأيام لونها.
صارت الأماكن التي كنت تجلس فيها تتحدث عنك بصمت، وصرت ألتفت أحيانًا وكأنني سأراك أمامي، ثم أتذكر أن بيني وبين رؤيتك في هذه الدنيا قدرًا اسمه الفراق.
كنت أظن أن مرور عامٍ سيجعل الغياب أخف، وأن الأيام ستعلّم القلب كيف يتعايش مع الفقد، لكنني أدركت أن فقد الأب ليس حزنًا ينتهي بانتهاء أيامه، بل هو فراغٌ يبقى في العمر كله.
فالأب ليس مجرد شخصٍ في حياتنا؛ الأب سندٌ وأمان، وظهرٌ نتكئ عليه حين تثقل بنا الحياة، ووجودٌ يمنحنا شعورًا بأن لنا في هذه الدنيا من لا يتخلى عنا.ولهذا، فإن رحيلك يا أبي لم يكن رحيل شخصٍ فقط، بل كان رحيل جزءٍ من الأمان الذي عشته، وغياب وجهٍ كنت أجد فيه الطمأنينة دون أن أطلبها.