آني إرنو… عدالة المقهورين تمرّ بفلسطين

من شوارع فرنسا المحتجّة إلى فلسطين وغزة، تتمسّك آني إرنو بموقفها السياسي الجذري. في مقابلة مع «فالتشر»، تقرأ حائزة «نوبل» للآداب التحالف بين الطلاب والعمّال، وتدين عنف الشرطة وصعود اليمين المتطرف. وتكشف كيف يتقاطع انحيازها إلى المهمّشين مع مشروعها الأدبي القائم على مساءلة الطبقة والسلطة والذاكرة، واستعادة أصوات المقهورين

من منزلها في سيرجي، إحدى ضواحي باريس، استقبلت آني إرنو (1940)، الكاتبة الفرنسية الفائزة بجائزة «نوبل» للآداب (2022) مجلة «فالتشر» الأميركية. أجرت مقابلة مطوّلة نشرت في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2026، تناولت فيها الاحتجاجات الطلابية في فرنسا، وانضمام النقابات العمّالية وحركة «السترات الصفر» إليها، وتصاعد المواجهات مع الشرطة، فضلاً عن علاقتها بالعمل السياسي ومخاوفها من صعود اليمين المتطرف. بدت في حديثها الطويل منشغلةً بما يتجاوز المطالب المباشرة للمتظاهرين؛ إذ قرأت الحراك من زاوية الانقسام الطبقي، وتهميش الشباب، وتآكل الحق في الاحتجاج. قضايا لم تكن يوماً بعيدة من مشروعها الأدبي الذي جعل من الذاكرة الشخصية مدخلاً إلى التاريخ الاجتماعي، ومن حياة الفئات المهمشة مادةً لمساءلة الثقافة والسلطة.

لم تفصل آني إرنو يوماً بين الكتابة ومساءلة العالم الذي تكتب فيه وعنه. تنظر الكاتبة الفرنسية إلى السياسة من موقع الأدب الذي يتيح الإصغاء إلى الأصوات المستبعدة ويكشف ما تخفيه الهرمية الاجتماعية من عنف وإقصاء. في مقابلةٍ مطوّلة أجرتها مجلة «فالتشر» (Vulture) مع صاحبة رواية «العار»، عادت إرنو إلى التزامها على النحو الذي كانت عليه في الستينيات عندما كانت شابة، الالتزام الراديكالي الجذري، متناولة الاحتجاجات الطلابية في فرنسا، والتحالف الذي جمع الشباب بالنقابات العمالية وحركة «السترات الصفر»، فضلاً عن عنف الشرطة وتراجع الحريات العامة. من خلال إجاباتها، قدّمت إرنو قراءة تتجاوز التعليق على حدث سياسي راهن، لتلامس أسئلة أعمق تتصل بالطبقة والذاكرة والسلطة، وبالمعنى الذي يمكن أن تحتفظ به الديمقراطية حين يصبح الاحتجاج نفسه موضع تجريم.

بالنسبة إلى إرنو، لا يمكن قراءة الحدث الفرنسي من دون الدخول إلى علاقة الدولة الفرنسية بالشباب. هي ترى أن الحكومة الفرنسية لم تُظهر، طوال سنوات، أي قدرة حقيقية على فهم ما يجري في أوساطهم، وأن هذا التجاهل ازداد وضوحاً في عهد إيمانويل ماكرون. تقارن الكاتبة بين سرعة استقبال المزارعين في قصر الإليزيه كلّما تحركوا احتجاجياً، وبين الوقت الذي استغرقه الرئيس للقاء الطلاب المشاركين في الحركة والذي تجاوز شهراً كاملاً. تكشف المقارنة، في نظرها، عن ميزان اجتماعي يمنح بعض الفئات وزناً سياسياً واقتصادياً، فيما يتعامل مع فئات أخرى كما لو أنها خارج الحسابات العامة. فالمزارعون يمتلكون ثقلاً اقتصادياً معروفاً، أما الشباب، فيبدون ــــ وفق منطق السلطة ـــــ بلا وزن يذكر.

تقرأ إرنو هذا التجاهل بوصفه علامة على بلد يشيخ، ويزداد انغلاقاً وحرصاً على مصالح الأثرياء، فيما يهمل قواه الحية. هي لا تخفي غضبها من هذا المسار لكنها تصف شعورها الأساسي بالقلق والحزن. فالمسألة، بالنسبة إليها، تتصل بمصير جيل كامل يطلب منه أن يقبل مستقبلاً غامضاً، فيما لا يجد من يصغي إلى مطالبه أو يعترف بحقه في المشاركة في رسم ذلك المستقبل.

من عام 1968 إلى احتجاجات اليوم: استعادة التحالف المفقود

تكتسب قراءة إرنو للحدث بعداً تاريخياً حين تستعيد احتجاجات أيار (مايو) 1968، وتقارنها بالحركة الراهنة. في رأيها، كان أحد أوجه الإخفاق الأساسية في انتفاضة ذلك العام انفصال الطلاب عن العمّال حيث تحرك الطرفان في مسارين متوازيين، وظلت الغالبية الساحقة من الطلاب تنتمي إلى الأوساط البرجوازية. أما اليوم، فتجد إرنو أمامها جيلاً مختلفاً، أكثر تنوعاً في أصوله الاجتماعية، يلتقي في الشارع مع العمّال والنقابات وحركة «السترات الصفر». وترى في هذا التقاطع إمكانية لقيام تحالف حقيقي بين مصالح الطبقة العاملة وتطلعات الشباب الذين يواجهون مستقبلاً يكتنفه الغموض.

في كتابها «مكان الرجل»، جعلت من حياة والدها، العامل الذي عاش على هامش الثقافة البرجوازية، مدخلاً إلى مساءلة الفوارق الطبقية وآثارها في اللغة والسلوك والذاكرة

لهذا التقارب أهمية تتجاوز حجم التظاهرات أو المطالب المباشرة التي ترفعها. إنه، في نظر الكاتبة، فرصة لتجاوز الانقسام الاجتماعي الذي لطالما حال دون التقاء الفئات المهمشة في مواجهة السياسات التي تطالها جميعاً. فالطالب الذي يحتجّ على تدهور التعليم والعامل الذي يواجه تراجع شروط حياته ينتميان ــــ رغم اختلاف موقعيهما ـــــ إلى عالم اجتماعي تتراجع فيه فرص الاستقرار، وتتسع فيه الهوة بين أصحاب الامتيازات وبقية المجتمع.

هكذا، لا تقرأ إرنو وجود النقابات والطلاب في الشوارع باعتباره مجرد تزامن احتجاجي، إنما بوصفه احتمالاً سياسياً يستحق الدفاع عنه.يحمل هذا الموقف صدى واضحاً لتجربتها الأدبية. منذ كتابها «مكان الرجل» الصادر عام 1983، جعلت إرنو من حياة والدها، العامل الذي عاش على هامش الثقافة البرجوازية، مدخلاً إلى مساءلة الفوارق الطبقية وآثارها في اللغة والسلوك والذاكرة. وفي كتاب «السنوات» أيضاً، وسّعت حدود السيرة الذاتية لتجعل التجربة الفردية جزءاً من تاريخ جيل وذاكرة جماعية. لذلك، لا تبدو عودتها إلى عام 1968 استدعاءً حنينياً لمرحلة احتجاجية شهيرة، وإنما محاولة لفهم ما أخفق الماضي في تحقيقه، وما يمكن أن تستعيده الحركات الجديدة من إمكانات التضامن.

عنف الشرطة وتآكل المجال الديمقراطي

لكنّ التفاؤل الذي تبديه إرنو حيال التقارب بين الطلاب والعمّال يصطدم ـــ في المقابلة ــــ بما تعتبره تدهوراً خطيراً في علاقة الدولة بالاحتجاج. عندما سئلت عن عنف الشرطة، توقفت عند المفارقة التي يمثّلها التحول في النظرة الفرنسية إلى هذا العنف. تستعيد مقتل مالك أوسكين عام 1986، بعدما تعرّض للضرب حتى الموت على أيدي عناصر من الشرطة، مشيرة إلى أنّ تلك الحادثة قوبلت آنذاك بإدانة واسعة. أما اليوم، فقد أصبح العنف الشرطي، وفق تعبيرها، جزءاً من الحياة اليومية.

تذهب إرنو إلى أبعد من ذلك حين تتحدث عن اختراق حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف صفوف الشرطة، معتبرة أنّ بعض عناصرها يحملون أفكاراً عنصرية ويفتقرون إلى الحساسية تجاه المعاناة الإنسانية، مستنكرةً أشد الاستنكار استهداف الشبان في مقتبل العمر. تتجاوز المسألة إذن حدود الخلاف حول أساليب حفظ النظام لتلامس طبيعة العلاقة بين السلطة والمواطنين، والحدود التي ينبغي ألا تتخطاها الدولة حين تواجه حركة احتجاجية.

من هذا السياق، تتوقف الكاتبة عند وصف المتظاهرين الذين يحطّمون الممتلكات ويسرقون المتاجر بكلمة casseurs، أي «مثيري الشغب» أو «المحطّمين». لا تنكر إرنو وجود هذه الفئة، لكنها ترفض أن يتحول الاسم إلى تفسير مكتفٍ بذاته يحجب الأسئلة المتعلقة بهوية هؤلاء الأشخاص والظروف الاجتماعية التي أتوا منها. من بين الذين شاركوا في أعمال الشغب، كما تقول، عاطلون عن العمل وأفراد يعيشون على هامش المجتمع ومهاجرون استعمرت بلادهم، وطلاب يشعرون بالحُنق الطبقي. لكن هؤلاء، في نهاية المطاف، مهما كانت أفعالهم، ينتمون إلى البلد الذي يسارع إلى معاقبتهم.

في هذا الموضع تحديداً، تكشف إرنو عن حساسية أدبية واجتماعية مألوفة في أعمالها. نقرأ في أعمال إرنو رفض اختزال الإنسان في الصفة التي تلصقها به السلطة أو وسائل الإعلام. حين تصبح التسمية بديلاً من البحث تمحو التاريخ الاجتماعي للفرد وتختصره في صورة جاهزة. والحال، أنّ هذا ما تروجه الآن وسائل الإعلام: شاب عنيف، لص، مخرّب، مهاجر غير شرعي وإلخ. على أنّ السؤال الذي تصرّ عليه إرنو هو: ما الذي أنتج هذه الفئات؟ وما الظروف التي دفعتها إلى العيش على هامش المجتمع؟ السلطة، بحسب قراءتها، لا تطرح هذه الأسئلة بل تكتفي بالقمع المتكرر.إنه انحدار خطير في المسار الفرنسي كما ترى إرنو، يصل بها إلى التشكيك في إمكان الحديث عن دولة ديمقراطية في ظل هذه الممارسات ويقودها إلى وصف أسلوب التعامل مع المحتجين بأنه «أسلوب فاشي».

الكتابة بوصفها مسؤولية سياسية

لا يمكن فصل هذه المواقف عن تصوّر إرنو لدور الكاتب في المجال العام. تشدد إرنو في مقابلتها على أنّها لا تنظر إلى انخراطها السياسي باعتباره نشاطاً منفصلاً عن الكتابة أو واجباً طارئاً فرضته الشهرة التي أعقبت فوزها بنوبل. تقول بوضوح إن التزامها السياسي امتداد لعملها الأدبي، وإن الكتابة نفسها تنطوي على مسؤولية أخلاقية تقتضي عدم خداع الذات، والبحث عن الحقيقة، سواء تعلّق الأمر بحقيقة التجربة أو بالشكل الذي تروى من خلاله.

تجد إرنو أمامها جيلاً مختلفاً يلتقي في الشارع مع العمّال والنقابات وحركة «السترات الصفر»

من هذا المنطلق، تفسّر إرنو توقيعها على مقالات ومواقف سياسية تتصل بفلسطين وغزة، كما تفسّر انخراطها في حزب «فرنسا الأبية» الذي أسّسه جان لوك ميلانشون. تعود إلى عام 1967، خلال حرب الأيام الستة، حين أدركت أنّ إسرائيل دولة استعمارية. تكشف هذه الإشارات عن تصوّر للكتابة لا يكتفي بوصف الواقع، وإنما يتصل بمساءلة علاقات القوة التي تنظمه، وباختيار الموقع الذي يقف منه الكاتب إزاءها.

لعل أكثر ما يمنح موقفها من الاحتجاجات الفرنسية خصوصيته هو أنّ دفاعها عن الطلاب والعمّال يصدر عن تجربة شخصية مع التراتبية الطبقية. فإرنو التي انتقلت من بيئة فقيرة إلى الوسط الثقافي الفرنسي لم تتعامل مع هذا الانتقال كارتقاء اجتماعي أو مناسبة للتنصل من أصولها. على العكس، ظلت تشعر بالغربة داخل الأوساط البرجوازية، ووصفت نفسها في المقابلة بأنها شخص انتقل إلى «الضفة الأخرى» من دون أن يتخلّص من ذاكرته الأولى. من هذا المنطلق، نستشف أنها حين تتحدث عن الطلاب المنحدرين من الطبقات الشعبية، وكأنها تتحدث عن شابة كانتها ذات يوم، وعن عالم اجتماعي تعرف تفاصيله من الداخل.

هذه الصلة بين التجربة الشخصية والموقف السياسي تفسّر أيضاً اهتمامها بالأمكنة التي قلّما تستوقف الأدب التقليدي: القطارات والمتاجر الكبرى وضواحي المدن. تقول إن الناس يصنعون التاريخ من دون أن يدركوا أنهم يصنعونه، وإنها تجد في مراقبة حشود المتسوقين وركاب القطارات مادةً لفهم التاريخ الاجتماعي. وهي بذلك تمنح الحياة اليومية، التي كثيراً ما تعامل باعتبارها هامشاً لا يستحق الكتابة، مكانةً مركزية في فهم المجتمع وتحولاته.

تنهي آني إرنو حديثها الطويل مع «فالتشر» في قولها إنها تأمل أن تكون كتبها قد غيّرت العالم قليلاً، وتحديداً «عالم النساء وعالم المقهورين». تبدو هذه العبارة أقرب إلى خلاصة مشروعها الأدبي والسياسي معاً. فالكتابة عندها محاولة لاستعادة ما جرى استبعاده من الذاكرة العامة، وإعادة الاعتبار إلى أشخاص لم تمنحهم الثقافة السائدة حق رواية تاريخهم بأنفسهم. وربما من خلال هذا التصريح يمكن فهم موقفها من الاحتجاجات الفرنسية. إنها تدافع عن حق الشباب في أن يكونوا مسموعين، وعن حق العمّال في أن يلتقوا بهم خارج الحدود التي رسمها الانقسام الطبقي.

في بلد تتسع فيه المسافة بين السلطة وفئات اجتماعية واسعة، ترى إرنو أن الشارع لا يزال مكاناً ممكناً لاستعادة السياسة من قبضة المؤسسات. غير أنها لا تمنح الاحتجاجات صك براءة، ولا تتجاهل أعمال العنف التي رافقتها. هي ترفض أن تصبح هذه الأعمال ذريعة لمحو المطالب الاجتماعية أو لتبرير القمع. وهذه، في جوهرها، مسألة ثقافية أيضاً.

تلك الأسئلة التي طاردت إرنو في كتبها عن الطبقة والعار والذاكرة، تجد اليوم امتداداً لها في الشوارع الفرنسية. وكأن الكاتبة، التي أمضت حياتها الأدبية في الإنصات إلى الذين لم يجدوا مكاناً في السردية الرسمية، ترى في احتجاجات الشباب والعمال وجهاً آخر للمعركة نفسها؛ معركة انتزاع الحق في الكلام، وفي أن يكون المرء جزءاً من التاريخ الذي يصنعه.