وسط مقاومة ميدانية وضغوط دبلوماسية لردعها.. إسرائيل تحاول السيطرة على مرتفعات النبطية

كثّفت إسرائيل هجماتها على جنوب لبنان بداية من مساء الخميس الماضي وحتى صباح أمس، بعد أيام من توقيع اتفاقية مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران نصّت على الوقف الفوري للقتال على جميع الجبهات، بما في ذلك الجبهة اللبنانية. وتركّزت المواجهات في الجنوب، مساء الخميس، حول مرتفع «علي الطاهر» في قضاء النبطية، حيث حاولت القوات الإسرائيلية مرارًا التقدّم للسيطرة على التلال الاستراتيجية، غير أنها واجهت مقاومة من مقاتلي حزب الله حالت دون ذلك، بحسب مصدر محلي في مدينة النبطية تحدث لـ«مدى مصر». وخلال هذه الاشتباكات نفّذ مقاتلو حزب الله كمينًا ضد القوات الإسرائيلية المتقدمة أسفر عن تدمير ثلاث دبابات «ميركافا» بصواريخ موجّهة في الساعات الأولى من صباح أمس، وفق بيان صادر عن الحزب. وعقب محاولة التقدّم الفاشلة، صعّدت إسرائيل قصفها في قضاء النبطية بعد منتصف الليل، مستهدفة بلدات ومناطق عديدة، بينها كفرجوز، وكفرتبنيت، وميفدون، وكفردجال، وحاروف، وكفررمان، وشوكين، عبر القصف المدفعي وضربات المُسيّرات والغارات الجوية، ما أدى إلى موجة نزوح جديدة من النبطية، بعدما بدأ السكان مؤخرًا في العودة إلى منازلهم. ووفقًا لوزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الهجمات الإسرائيلية عن مقتل نحو 47 شخصًا، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أربعة من جنوده في آخر جولات القتال. وبحسب المصدر المحلي، تحاول القوات الإسرائيلية التقدّم نحو تلال «علي الطاهر» منذ نهاية الأسبوع الماضي. وأوضح المصدر أن القوات المتمركزة داخل قلعة الشقيف، التي سيطرت عليها إسرائيل في نهاية مايو الماضي، حاولت التقدّم عبر طرق فرعية في منطقة «الزفاتة» التابعة لـ«كفرتبنيت» باتجاه منطقة «المعبر» على أطراف البلدة، ومنها سعت للمرة الرابعة إلى الوصول إلى مرتفع «علي الطاهر». وأضاف المصدر أن القوات الإسرائيلية باتت «على بُعد دقائق معدودة» من المرتفع، إلا أن عجزها المتكرر عن الخروج من المناطق المنخفضة كان العامل الرئيسي في إحباط محاولاتها. من جانبه، قال العميد المتقاعد في الجيش اللبناني منير شحادة لـ«مدى مصر» إن تلال «علي الطاهر» تُعد من المواقع المرتفعة التي تتيح إشرافًا واسعًا على مساحات كبيرة من جنوب لبنان، ما يجعل السيطرة عليها، أو حتى الاقتراب منها، مكسبًا عسكريًا واستخباراتيًا بالغ الأهمية. وأضاف أن لهذه التلال أيضًا بُعدًا رمزيًا بالنسبة للقوات الإسرائيلية، التي كانت قد احتلت المنطقة خلال فترة الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. في الوقت الراهن، تشهد الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران تقدمًا، ويشكّل تثبيت وقف إطلاق النار في لبنان أحد عناصر التفاوض الأوسع بين الطرفين، إلا أن إسرائيل تسعى إلى تقويض هذا التفاهم. وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في منشور على «إكس» أمس، إنه أصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي بـ«توجيه ضربات إلى حزب الله بكل قوة»، مضيفًا، «توجيهي واضح: إسرائيل لن تتسامح مع أي هجمات تستهدف جنودها أو أراضيها، وستفرض على حزب الله ثمنًا باهظًا جدًا مقابل هذه الهجمات». تصريح نتنياهو جاء رغم تقارير أفادت بأن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أجرى اتصالات مع إسرائيل وحثّها على الموافقة على وقف إطلاق النار مع حزب الله، كما أدّت المواجهات في لبنان إلى تأجيل انطلاق المفاوضات الفنية بين المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين، التي كان من المقرر أن تبدأ أمس. وفي محاولة لإعادة التفاوض إلى مساره، دفعت الولايات المتحدة نحو التوصل إلى وقف جديد لإطلاق النار في جنوب لبنان، دخل حيّز التنفيذ، بحسب تقارير، قرابة الساعة الرابعة عصرًا من يوم أمس، بتوقيت لبنان. وأكد مسؤولون أمريكيون أن المفاوضين الأمريكيين والقطريين توصلوا إلى الاتفاق بمساعدة إيرانية. غير أن إسرائيل خرقت وقف إطلاق النار بعد أقل من ساعة على دخوله حيّز التنفيذ، إذ نفّذت عدة غارات جوية وضربات مدفعية في أنحاء قضاء النبطية. وتتواصل المعركة حول مرتفع «علي الطاهر» منذ نحو أسبوع، فمنذ نهاية الأسبوع الماضي، أعلن حزب الله إحباط عدة محاولات إسرائيلية للتقدّم نحو التلال، بينها محاولتا توغل في 13 يونيو الجاري. وقال الحزب إنه نفّذ، في ذلك اليوم، 19 عملية استهدفت قوات إسرائيلية ومعدات عسكرية. ووفق بيانات الحزب، حاولت وحدة مشاة إسرائيلية في 13 يونيو التقدّم إلى منطقة «المعبر» قرب «كفرتبنيت» تحت غطاء مدفعي ودخاني، قبل أن تُستدرج إلى كمين مُعدّ مسبقًا شمل تفجير عبوات ناسفة وإطلاق نار وقصفًا مدفعيًا، ما أجبرها على الانسحاب. وبحسب المصدر في النبطية، فإن الطرق المؤدية إلى التلة مكشوفة ويمكن رصدها من اتجاهات عدة، بما في ذلك مواقع مرتفعة مجاورة في إقليم التفاح والريحان والمحمودية، الأمر الذي جعل أي محاولة للتقدّم مكشوفة ومعرّضة للرصد والاستهداف. وتحظى المرتفعات بأهمية عسكرية منذ زمن طويل بالنسبة لحزب الله، إذ كانت تضم سابقًا خنادق وتحصينات دفاعية. كما أن المنطقة ليست غريبة على القوات الإسرائيلية، التي احتفظت بمواقع فيها خلال فترة احتلال جنوب لبنان عقب اجتياح عام 1982. ويرى المصدر أن السيطرة على مرتفع «علي الطاهر»، نظرًا لإشرافه على طرق ومحاور حيوية، من شأنها أن تعزّز قدرة إسرائيل على فرض تفوق ناري على جزء كبير من قضاء النبطية، بما في ذلك مدينة النبطية نفسها، كما قد تدعم مساعيها إلى فصل منطقة البقاع عن جنوب لبنان. من جهته، قال شحادة إن المحاولات الإسرائيلية المتكررة للتقدّم نحو المنطقة تخدم جملة من الأهداف العسكرية التقليدية، من بينها السيطرة على المرتفعات ونقاط المراقبة التي توفر أفضلية استخباراتية، وإنشاء حزام أمني يبعد التهديدات عن المستوطنات الشمالية، وتحسين شروط التفاوض سياسيًا وعسكريًا، إضافة إلى فرض أمر واقع ميداني جديد قبل التوصل إلى أي تسوية دولية. «أما الهدف النهائي، فليس بالضرورة احتلال مساحات واسعة بقدر ما قد يكون محاولة فرض واقع أمني جديد يسمح لإسرائيل بالقول إنها حققت إنجازًا ميدانيًا يمكن البناء عليه سياسيًا»، قال شحادة لـ«مدى مصر». وأضاف أن تأثير أي مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران على الساحة اللبنانية سيعتمد في المقام الأول على بنودها الفعلية. وطرح في هذا السياق احتمالين: إما أن يسهم الاتفاق في تهدئة إقليمية وخفض التصعيد تدريجيًا، أو أن تسعى إسرائيل إلى استباق نتائج الاتفاق عبر محاولة تحسين مواقعها الميدانية قبل دخوله حيز التنفيذ. لكنه شدد على أنه لا يزال من المبكر الجزم بحدوث تغيير دائم في قواعد الاشتباك، في ظل غياب معطيات ميدانية تؤكد ذلك بشكل قاطع. ويأتي التصعيد الذي شهدته الجبهة اللبنانية، أمس، قبيل جولة جديدة من المحادثات بين لبنان وإسرائيل، الهادفة إلى التوصل إلى وقف لإطلاق النار وترسيخ الترتيبات الأمنية على الحدود. ومن المتوقع أن تُستأنف هذه المباحثات الثلاثاء القادم ضمن جولة جديدة من المفاوضات المباشرة في واشنطن، المقررة بين 22 و25 يونيو الجاري. وأوضح شحادة أن التصعيد العسكري والمسار الدبلوماسي مرتبطان بطبيعة الحال، إذ تسعى الأطراف المتحاربة غالبًا إلى تحسين أوراقها التفاوضية عند اقتراب مواعيد تفاهمات دولية مهمة. ورأى أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة تبدو أقرب إلى محاولة تعزيز موقعها التفاوضي استعدادًا لأي تسوية مستقبلية، أكثر من كونها مؤشرًا على التحضير لحرب شاملة جديدة. مع ذلك، أشار إلى أن حرب الاستنزاف المتبادلة قد تستمر لفترة طويلة ما دامت أسباب النزاع قائمة. وقال شحادة: «المقاومة تعتبر أن بقاء أي احتلال داخل الأراضي اللبنانية يمثل سببًا لاستمرار المواجهة، بينما ترى إسرائيل أن وجود تهديد على حدودها يبرر استمرار عملياتها». وأعلنت وزارة الخارجية السويسرية، أمس، إلغاء المفاوضات الأمريكية-الإيرانية التي كان من المقرر عقدها في منتجع «بورجنستوك» السويسري. وفي المقابل، قللت طهران من أهمية القرار، إذ وصف مسؤولون إيرانيون الاجتماع بأنه لم يعد ملحًا بعد التوقيع السابق إلكترونيًا على مذكرة تفاهم هدفت إلى إنهاء الأعمال القتالية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، إن التحضيرات لجولات نقاش مستقبلية جارية بالفعل، مؤكدًا أن إحراز تقدم نحو اتفاق نهائي سيظل مرهونًا بتنفيذ بنود المذكرة والالتزام المستمر بها. وأصدر نتنياهو، عصر اليوم، تعليماته للجيش الإسرائيلي بوقف العمليات العسكرية في لبنان من دون سحب القوات من مواقعها الحالية، بحسب ما أفادت به القناة 12 الإسرائيلية. غير أن الخروقات شبه الفورية التي أعقبت إعلانًا تلو الآخر لوقف إطلاق النار لا توفّر ضمانات تُذكر بأن أي تهدئة محتملة، إن تحققت أصلًا، ستصمد.The post وسط مقاومة ميدانية وضغوط دبلوماسية لردعها.. إسرائيل تحاول السيطرة على مرتفعات النبطية first appeared on Mada Masr.