ورشة متخيلة
بأطراف الأصابع، قلّبنا صفحات أعداد «جاليري 68»، بالتوازي مع بحث معاذ عن قصة المجلة التاريخية، وحتى نغوص في التجربة أكثر قلّبتُ نسخة ورقية من آخر أعدادها، المُتمم لمسيرتها ذات الثمانية أعداد. (قلبوا هذه النسخة للدخول معنا في الجو). المسألة ليست هواية تخص جمع نادر الكتب، أو استعراض ما لديّ من كنوز لا سمح الله، فلا أنا بيّاع ولا القارئ سيحجز، بل لا تزال تجربة «جاليري» -رغم مرور 55 عامًا على آخر ثمارها- تستدعي القراءة والتأمل من حين لآخر، فلا هي بدأت مع محاولة رياض، ولن تتوقف مع هذا العدد، فهي مثل تجارب السيريالية وأحلام «كُتّاب الغد» الموؤدة وما لحقناه من نصوص «الجراد» وغيرها من تجارب الهامش التي نستلهم منها ما يضيء لنا ظلام حاضرنا. في ما يخص «جاليري»، يمكننا استلهام الروح، كيف تشكّلت تجربة تعاونية لا نزال نتذوق ثمارها حتى الثمالة على قلتها، كيف تحايل شباب «جاليري» في أواخر الستينيات على صعوبات الإنتاج في ظل سيطرة الدولة على ماكينة النشر والإبداع والإنتاج، وكيف توّلدت حلول مثل اللجوء إلى رخصة مجلة قديمة اسمها «الأدباء» حتى تسهّل تواجد مجلتهم، وحين لم يعد ذلك متاحًا لجأوا إلى صفة «كتاب غير دوري» التي فتحت الباب لمَن جاؤوا بعدهم فصدرت أعمال «الماستر» فيما بعد. من محرري «جاليري»، نرى سُبل جمع التبرعات من كُتّاب (على رأسهم نجيب محفوظ)، بيع لوحات لتوفير نفقات، السعي لإعلان حكومي أو غيره، بل نرى دعوة للتقدم إلى جائزة «لوتس» للأدب الأفريقي الآسيوي في فروعها الثلاثة، وقيمتها خمسمائة جنيه إسترليني لكل فرع، وهي:  الشعر (يشترط أن يكون ديوانًا من 25 قصيدة). المسرح (مسرحية من ثلاثة فصول) الرواية (30 ألف كلمة) *** هذا فيما يخص الإنتاج، لكن بالنسبة للمحتوى، كيف يمكن الاشتباك الجاد مع الكتابة؟ الاكتفاء بنشر الأدب، القصة والشعر وترجمات؟ سنجد محاولة جادة للاشتباك مع تجربة إبراهيم أصلان، الذي لم يكن معروفًا إلا بنصوص نُشرت في «المجلة» و«صباح الخير» و«جاليري» ومجلات أخرى، هذا حدث في 1971 قبل كتابه الأول «بحيرة المساء»، هكذا نشرت «جاليري» خمس قصص وثلاث دراسات عنها كتبها إدوار الخراط وغالب هلسا وخليل كلفت، وصفت أصلان بـ«الكاتب التقدمي»، صاحب «العالم الخاص»، والموهوب الذي «يمتلك أدوات فنه ويجيد التعبير بقدرة لا نجدها إلا عند القلائل  جدًا من أبناء جيله».   بقراءة دراسة هلسا، سنجد ملاحظات عنيفة ضد مآلات قصص أصلان الفانتازية، أو تفضيله لنوع أو نموذج محدد من الشخصيات لدرجة أن «نمطية النماذج والسلوك تصل أو تكاد تصل إلى حد الميكانيكية» مما يجعل القارئ يتوقع أحداث القصة، فتكون محصورة «في احتمالين أو ثلاثة، فالرجل الذي يحدثنا سوف يتكشف في أغلب الأحوال عن إنسان مجنون أو أسير فكرة ثابتة أو أنه سوف يقف فجأة ويتحرر من ثيابه ويقف أمامنا عاريًا»، لا يترك هلسا هذه الملاحظة، بل يعلق على ميل أصلان لرسم شخصيات «تخلع ثيابها وتسير عارية أمامنا كما ولدتها أمها». ففي إطار حديثه عن «التحرر من العطش»، تحكي فيها الشابة لشاب يقيم مع حبيبها كيف حفر رجل بلدياتها، حيث تقيم مع أهلها خلال الإجازة السنوية، خندقًا على مشارف قليوب ليحمي المدينة من الأخطار المحدقة بها فلا يعقل أن «يتركها دون حراسة». يختفي داخل الخندق ولا يظهر منه إلا رأسه، وكلف صبيًا بتسلق كافورة ليخبره بأي تهديد محتمل مقابل منحه حلوى على كل معلومة، وطمعًا في الحلوى أمطره بكل ما يراه فمات الرجل من الخوف، هكذا تخبرنا القصة، وتصف الشابة رجل الخندق بالجنون، وتبدي استغرابها أنه لم يكن كذلك قبل هذه الحكاية، بعدما سمعها الشاب في القصة يستأذنها ثم يعود إليها عاريًا، يجلس أمامها دون أن يتحدث أو يقدم على شيء، يعتبر هلسا أن مشهد «تجرد الشاب من ثيابه كان من الممكن أن يتخذ دلالات ومعاني أعمق لو أن الكاتب أبدى قدرًا من التعاطف مع بطله. فالشاب اختار أن يتعرى في لحظة يصبح فيه هذا التعري مجرد نكتة» فيقترح معالجة أخرى حتى «يجعل التعري أعمق دلالة ومغزى»، مفترضًا أن فعل التعري إذا حدث «في الوقت الذي تحكي فيه الفتاة عن مجنون ظنته عاقلًا» فإن ذلك سيجعل القصة تبرهن أن المسألة مستمرة ومن تظنه عاقلًا يحتمل أن يكون مجنونًا، فالأمور ليست كما تبدو في الحقيقة. يعجبني اشتباك هلسا مع أصلان، ففضلًا عن كونهما من كتابي المفضلين، فإن ممارسة هلسا تحلل مكونات الكتابة، يتورط ويغطس في جوها، تجعلنا نرى النص كمكونات صالحة للفك والتركيب، كأن هلسا يفككها أو يود أن تُعاد كتابتها، هل كان يؤدي مهمة التحرير الأدبي؟ أفكر: هل لو افترضنا أن أصلان عرض هذه النصوص كمسودات على غالب، هل كانت ستطوّر ملاحظات الأخير نصوص الأول؟ أليس هذا في جوهره هو معنى التحرير؟ ربما. في إطار الملاحظات يعلّي هلسا نبرته معتبرًا معالجة أصلان «تهريجًا» -لكننا نحب هذه الطريقة من أصلان، لكن الخراط مثلًا قرأ «التحرر من العطش» بوصفها محاولة من أصلان لوضع «رفضه أمامنا، حادًا مجسمًا»، بل يصف لحظة التعري بأنها «عقاب ينزله بنفسه» أو «نداء بائس» لتحطيم الغربة والحزن، لكن حين لا يحدث شيء وتتركه الفتاة وتمضي، فيتأكد «الشرخ الذي يشق تصور الكاتب للحياة»، أما ثالث دراسات العدد فلا تشتبك مع هذه القصة أو تعلّق على «التعري»، بل يلتقط كلفت بعناية من باقي القصص ما يبرر طرحه أننا أمام تشكّل مرحلة جديدة من كتابة أصلان، هكذا نرى عبر المقال مراحل تطوره بعين كلفت، وما فات الكاتب من تطوير، مثلما يتحدث عن شخصية عم مجاهد، بائع الفول الذي قضى عليه افتتاح محل فول جديد، حيث يموت في قصة «عصفور على أسلاك التروللي باس» كمدًا بعد يومين من المنافسة، فقد رأي كلفت أن هذه القصة المُمتازة «لم تجد استمرارًا حقيقيًا في قصص إبراهيم أصلان برغم ما جسدت من إمكان التصوير الواقعي الحيّ لحياة الفقراء في حي إمبابة تلك الحياة الغنية بصور المأساة الواقعية التي يعيشها ملايين الفقراء» مشيرًا إلى فكرة المقاومة التي لم تحدث. لكننا سنرى عم مجاهد نفسه فيما بعد في إطار آخر، كأن ملف «جاليري» ورشة أدبية، بلغة هذه الأيام، نصبها الثلاثة فوق القصص وعكفوا على التحليل والتفكير، إن لم تلحظ ثمارها في «مالك الحزين» المكتوبة ديسمبر 1972، حول عم مجاهد وتناول واقع الحياة في إمبابة، ستراها في «الكيت كات» بالتأكيد. The post ورشة متخيلة first appeared on Mada Masr.