القرار يمنع وصول الأجانب إلى نموذجَي «مايثوس 5» و«فابل 5»أول محاولة أمريكية لتقييد البرمجيات نفسهاالمخاوف الأمنية تتركز حول إمكانية تجاوز القيود الوقائية للنماذجسابقة قد تمتد إلى «أوبن إيه آي» و«غوغل» و«ميتا»دخلت الولايات المتحدة مرحلة جديدة في تنظيم تقنيات الذكاء الاصطناعي بعد أن اضطرت شركة أنثروبيك إلى تعطيل وصول أي شخص أو كيان غير أمريكي، إلى أكثر نماذجها تقدماً، امتثالاً لأمر حكومي غير مسبوق، يعيد رسم حدود المنافسة العالمية في قطاع يُنظر إليه بوصفه أحد أهم محركات النمو التكنولوجي، خلال العقد المقبل.وقالت الشركة، إن الحكومة الأمريكية طلبت منها تعليق الوصول إلى نموذجَي «مايثوس 5» و«فابل 5» بالنسبة إلى جميع الأجانب «سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها»، بمن فيهم الذين يعملون لدى أنثروبيك، لمخاوف تتعلق بالأمن القومي.ويُمثل القرار تحولاً نوعياً في نهج واشنطن تجاه الذكاء الاصطناعي؛ فبعد أن ركزت القيود الأمريكية، خلال السنوات الماضية، على منع تصدير الرقائق المتقدمة وأشباه الموصلات ومعدات الحوسبة الفائقة إلى الخصوم الاستراتيجيين، تستهدف الإجراءات الحالية البرمجيات نفسها، وقدرات النماذج الذكية بشكل مباشر، ما أثار نقاشات قانونية وتجارية حول حدود التدخل الحكومي.ما الذي أثار مخاوف واشنطن؟بحسب «أنثروبيك»، فإن القرار جاء بعدما اكتشفت الحكومة الأمريكية ثغرة برمجية يمكن من خلالها الالتفاف على بعض الضوابط الوقائية المفروضة على نموذج «فابل 5»، وهو إصدار حديث من برنامج «مايثوس»، وتنفيذ مهام سيبرانية حساسة. تُعرف هذه العملية في قطاع الذكاء الاصطناعي باسم «Jailbreak» أو كسر الحماية، وتسمح للمستخدمين بالتحايل على القيود الموضوعة على النموذج، وهو خطر يستوجب التدخل.لكن الشركة رفضت هذا التقييم، معتبرة أن اكتشاف ثغرة محدودة لا يبرر سحب نموذج تجاري متاح لمئات الملايين من المستخدمين. وأضافت أن تطبيق هذا المعيار على مستوى القطاع بأكمله قد يؤدي فعلياً إلى تعطيل إطلاق الأجيال الجديدة من نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، نظراً لصعوبة ضمان عدم إمكانية تجاوز جميع الضوابط الأمنية بنسبة 100%.دور «أمازون» في اكتشاف الثغراتتكمن حساسية القضية في طبيعة نموذج «مايثوس»، الذي تصنفه أنثروبيك ضمن فئة جديدة أطلقت عليها اسم «مايثوس كلاس» Mythos-Class، التي تتمتع بقدرات متقدمة للغاية في التحليل البرمجي واكتشاف نقاط الضعف التقنية.لكن خبراء أمنيين حذروا مراراً من أن هذه النماذج، إذا وقعت في الأيدي الخطأ، قد تسرّع تطوير هجمات إلكترونية معقدة تستهدف البنوك، وشبكات الطاقة، والبنية التحتية الحيوية، خصوصاً في الأنظمة القديمة والمتشابكة التي تعتمد عليها مؤسسات كبرى حول العالم.ونقلت «بلومبيرغ» عن تقارير إعلامية أمريكية قولها، إن أبحاثاً أجراها متخصصون في «أمازون» أظهرت إمكانية تجاوز بعض القيود الوقائية المفروضة على النموذج، ما دفع الشركة والحكومة الأمريكية إلى إجراء مشاورات مكثفة قبل صدور القرار. وبأن الرئيس التنفيذي لـ«أمازون»، آندي جاسي، شارك في مناقشات مع مسؤولين حكوميين بشأن المخاطر المحتملة المرتبطة بالنموذج، فيما أكدت الشركة أن الحكومات تتواصل معها بصورة دورية بشأن قضايا الأمن التقني.تداعيات تتجاوز «أنثروبيك»لا يقتصر تأثير القرار في «أنثروبيك»، فقد يشكل سابقة تنظيمية تؤثر في جميع مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بما في ذلك «غوغل»، و«ميتا»، و«أوبن إيه آي». خصوصاً أن الأخيرة تسعى، هي و«أنثروبيك»، إلى دخول أسواق المال عبر طروحات عامة محتملة، بينما يواصل القطاع جذب استثمارات بمليارات الدولارات.وخلال السنوات الماضية، دافع عدد من قادة القطاع، من بينهم الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، جنسن هوانغ، والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، سام ألتمان، عن فكرة توسيع انتشار الأنظمة الأمريكية عالمياً للحفاظ على التفوق التكنولوجي للولايات المتحدة، بدلاً من تقييد استخدامها. لكن القرار الأخير يشير إلى أن واشنطن أصبحت أكثر استعداداً لاستخدام أدوات الرقابة والتنظيم المباشر عندما ترى أن المخاطر الأمنية تفوق المكاسب التجارية والاستراتيجية.ووصف أيدان غوميز، المؤسس المشارك لشركة «كوهير» المدعومة من «إنفيديا»، القرار بأنه «جرس إنذار» يوضح حجم النفوذ الذي يمكن أن تمارسه الحكومة الأمريكية على شركات الذكاء الاصطناعي.في المقابل، دافع ديفيد ساكس، المستشار السابق للذكاء الاصطناعي في إدارة ترامب، عن القرار، متهماً شركة «أنثروبيك» بعدم معالجة الثغرة الأمنية بالشكل المطلوب، ومعرباً في الوقت ذاته عن أمله في رفع القيود فور معالجة المشكلة وإعادة النموذج إلى الخدمة.توتر متجدد مع إدارة ترامبيسلط الأمر الجديد أيضاً الضوء على التوتر المستمر بين «أنثروبيك» وبعض أوساط إدارة ترامب. فالشركة كانت قد دخلت في خلافات مع وزارة الدفاع الأمريكية بشأن استخدام تقنياتها في تطبيقات عسكرية ومهام مراقبة، ما دفع الإدارة إلى تصنيفها سابقاً كمصدر محتمل لمخاطر سلاسل التوريد الحكومية وإصدار توجيهات للوكالات الفيدرالية بالتخلي تدريجياً عن منتجاتها.كما يأتي رغم وجود مؤشرات سابقة على تحسن العلاقة بين الطرفين، إذ كانت الحكومة الأمريكية تدرس حتى وقت قريب إتاحة نسخة من نموذج «مايثوس» لبعض الوكالات الفيدرالية الكبرى، ما جعل قرار الجمعة مفاجئاً للعديد من المراقبين.وأيضاً، يثير توقيته تساؤلات إضافية، خصوصاً أنه جاء بعد أسابيع من إصدار أمر تنفيذي رئاسي دعا إلى مراجعات طوعية لنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مؤكداً أن تلك المراجعات لا ينبغي أن تتحول إلى نظام ترخيص إلزامي.في المحصلة، يُضيف القرار الأمريكي الأخير بُعداً جديداً إلى المنافسة، إذ يؤكد على أن مستقبل القطاع تحدده، إضافة إلى القدرات التقنية، الاعتبارات الأمنية والجيوسياسية التي أصبحت جزءاً أساسياً من سباق الذكاء الاصطناعي العالمي.