هاري سوتار.. القامة التي منحت أستراليا شجاعة العبور
في كرة القدم الأسترالية، لا تُولد الأساطير غالبًا من المهارة الناعمة أو الضجيج الإعلامي الكبير، بل من الصلابة، ومن القدرة على الاحتمال، ومن لاعبين يشبهون المسافات الطويلة التي تفصل أستراليا عن بقية العالم، ولهذا بدأ هاري سوتار، بطوله الفارع وحضوره الهادئ، وكأنه قطعة خُلقت خصيصًا لتمثيل «السوكيروز» في أصعب اللحظات. ولد سوتار في أسكتلندا داخل عائلة كروية، ونشأ في بيئة أوروبية تعرف اللعبة جيدًا، لكنه اختار لاحقًا تمثيل أستراليا، البلد الذي تعود إليه جذور والدته، وهناك بدأت حكايته الحقيقية، لم يكن مدافعًا يلفت الأنظار مبكرًا بالأهداف أو المهارات، بل لاعبًا يبني سمعته تدريجيًا؛ خطوة بخطوة، والتحامًا بعد آخر، حتى صار أحد أهم أعمدة المنتخب الأسترالي. ومع أستراليا، جاءت قيمته في توقيت حساس. فالمنتخب الذي اعتاد الظهور المقاتل في كأس العالم، كان يبحث عن جيل جديد يعيد إليه شخصيته بعد تراجع أسماء المرحلة السابقة، وفي مونديال قطر 2022، ظهر سوتار بوصفه القلب الدفاعي للفريق، اللاعب الذي يقف أمام المهاجمين كما لو أنه جدار متحرك، يقطع الكرات، ويفوز بالصراعات الهوائية، ويمنح من حوله شعورًا بأن الدفاع يستطيع الصمود مهما اشتد الضغط. تلك البطولة كانت خاصة بالنسبة إلى أستراليا. دخل المنتخب وسط توقعات محدودة، لكنه نجح في العبور إلى دور الستة عشر للمرة الثانية في تاريخه، بعد انتصارات على تونس والدنمارك، قبل أن يخرج بشرف أمام الأرجنتين بطلة العالم لاحقًا، وفي قلب تلك الرحلة، كان سوتار أحد أكثر اللاعبين حضورًا، حتى إن كثيرًا من الصحف الأسترالية وصفته بعد البطولة بأنه «اكتشاف المونديال» بالنسبة للجمهور العالمي. وما جعل قصته أكثر خصوصية أنه خاض البطولة بعد أشهر فقط من إصابة خطيرة في الرباط الصليبي، وهي إصابة كادت أن تحرمه من كأس العالم بالكامل، لكن سوتار عاد في الوقت المناسب، وعاد بصورة بدت كأنها تتحدى المنطق؛ مدافع طويل، قوي، وهادئ، يلعب وكأنه لم يغب طويلًا عن الملاعب. رقميًا، لا يُقاس تأثيره بالأهداف أو الصناعة، فوظيفته مختلفة تمامًا، قيمته الحقيقية تظهر في عدد الهجمات التي تنتهي عنده، وفي الكرات التي يمنعها قبل أن تصبح فرصًا، وفي الثقة التي يمنحها للمنتخب كله حين يواجه خصومًا أكبر منه اسمًا وخبرة. ومع اقتراب كأس العالم 2026، تبدو أستراليا أمام مرحلة جديدة تحاول فيها تثبيت صورتها كمنتخب لا يكتفي بالمشاركة، بل يعرف كيف يقاتل في البطولات الكبرى، ومن هنا، يصبح وجود سوتار محوريًا، لأنه يمثل نوعية اللاعبين الذين تحتاجهم المنتخبات في المونديال؛ لاعبين لا ينهارون تحت الضغط، ويعرفون كيف يحولون الفوضى إلى صمود. ما يميز سوتار أيضًا أنه لا يلعب كمدافع متوتر أو مندفع، بل ببرود واضح، حتى في أصعب المباريات، يتحرك بثقة، ويتعامل مع الكرات العالية كأنها جزء من منطقته الخاصة، ويمنح الفريق إحساسًا بأن هناك دائمًا من يستطيع إيقاف العاصفة قبل أن تصل إلى المرمى. ولهذا، فإن قصة هاري سوتار ليست مجرد حكاية مدافع طويل تألق في كأس العالم، بل حكاية لاعب أعاد لأستراليا صورتها القديمة؛ منتخب يقاتل حتى النهاية، ويعرف كيف يبقى واقفًا أمام المنتخبات الكبرى، حتى لو بدت الفوارق على الورق أكبر من أن تُقاوم.