في البرازيل، لا يكفي أن تكون موهوبًا كي تُحَب، ولا يكفي أن تكون هدافًا كي تُغفَر لك الخيبات، فالقميص الأصفر لا يمنح صاحبه المجد بسهولة، بل يضعه منذ اللحظة الأولى في مواجهة ذاكرة ثقيلة، تبدأ من بيليه، وتعبر بروماريو ورونالدو وريفالدو ورونالدينيو، ثم تسأل كل نجم جديد: ماذا ستضيف إلى تاريخ لا يرضى بالقليل؟ من هنا جاءت حكاية نيمار مع المنتخب البرازيلي؛ حكاية لاعب امتلك كل ما يفتن الجماهير، المهارة، الخيال، المراوغة، والقدرة على صناعة الهدف من لا شيء، لكنه عاش دائمًا تحت حكم قاسٍ: كأس العالم. فمهما سجّل، ومهما صنع، بقي السؤال الأكبر يطارده: هل يقود البرازيل إلى لقبها السادس؟ رقميًا، لا يمكن إنكار مكانة نيمار، فهو الهداف التاريخي لمنتخب البرازيل للرجال بـ79 هدفًا في 128 مباراة، متجاوزًا بيليه صاحب 77 هدفًا، وهي منزلة لا يصل إليها لاعب عابر في بلد أنجب أعظم المهاجمين والمهاريين في تاريخ اللعبة، لكن المفارقة أن هذا الرقم العظيم لم ينهِ الجدل حوله، بل زاده تعقيدًا؛ لأن الجماهير البرازيلية لا تقيس العظمة بالأهداف وحدها، بل بما يحدث في كأس العالم. شارك نيمار في ثلاث نسخ مونديالية: 2014، و2018، و2022، في الأولى، كان وجه البطولة على أرض البرازيل، اللاعب الذي علّقت عليه البلاد حلمًا كاملًا، بدأ بقوة، وسجّل، وقاد المنتخب حتى ربع النهائي، قبل أن تنهي الإصابة أمام كولومبيا مشواره، لتدخل البرازيل بعد غيابه واحدة من أكثر لياليها قسوة أمام ألمانيا. وفي روسيا 2018، عاد نيمار راغبًا في التعويض، لكن البرازيل توقفت أمام بلجيكا في ربع النهائي، سجّل وصنع، وترك ومضات من جماله المعتاد، غير أن الصورة العامة لم تكن كافية لبلد لا يرى في ربع النهائي نهاية مقبولة. أما قطر 2022، فكانت الأقرب إلى قلب الحكاية، عاد من الإصابة، وسجّل أمام كرواتيا هدفًا بديعًا في ربع النهائي، بدأ للحظة كأنه هدف العبور إلى نصف النهائي، لكنه تحول بعد دقائق إلى ذكرى موجعة، بعدما تعادلت كرواتيا ثم أخرجت البرازيل بركلات الترجيح. هنا تكمن مأساة نيمار الكروية: لاعب بلغ قمة الهدافين في تاريخ البرازيل، لكنه لم يبلغ قمة المونديال، ولذلك تبدو قصته مختلفة؛ ليست قصة فشل، فهذا ظلم واضح، وليست قصة اكتمال، فهذا غير دقيق، إنها قصة موهبة كبرى حققت أرقامًا تاريخية، لكنها اصطدمت ببطولة لا ترحم أنصاف النهايات. ومع اقتراب كأس العالم 2026، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمنح المونديال نيمار فصلًا أخيرًا؟ إن حضر، فلن يدخل البطولة باحثًا عن إثبات موهبته، فقد فعل ذلك منذ زمن، ولا عن تثبيت رقمه التاريخي، فقد صار بالفعل على قمة هدافي البرازيل، سيدخلها بحثًا عن شيء أعمق: مصالحة بين موهبة لا تُنكر، وذاكرة برازيلية لا تعترف بالاكتفاء إلا حين تلمع الكأس في اليد.