نجم المونديال في المدرجات

وسط زحمة المدرجات في غوادالاخارا خلال مباراة الكونغو الديمقراطية أمام كولومبيا في كأس العالم 2026، شد انتباهي مشهد مختلف تماماً عن بقية الجماهير. رجل يقف بلا أي حركة تقريباً، لا يصفق ولا يهتف بصوت مرتفع، ولا يرفع علماً أو يردد شعارات. فقط ذراع ممدودة ونظرة ثابتة، كأنه تمثال حقيقي وسط آلاف المشجعين. إنه ميشيل كوكا مبولادينغا، المشجع الكونغولي الذي تحول إلى واحد من أشهر وجوه المونديال خارج المستطيل الأخضر. ميشيل، الذي يبلغ من العمر نحو 49 عاماً، يعرف في بلاده بلقب «لومومبا فيا»، أي «لومومبا يعيش». لم يبدأ قصته كشخص مختلف عن غيره من المشجعين، لكنه اختار أن يجعل من تشجيعه رسالة ذات معنى أعمق. يرتدي بدلة حمراء أنيقة تتماشى مع ألوان علم الكونغو، ويضع نظارات ويهتم بتصفيف شعره بعناية، ثم يرفع ذراعه في الوضعية نفسها التي يظهر بها تمثال باتريس لومومبا الشهير في كينشاسا. ويبقى على هذه الهيئة طوال المباراة، وحتى في الوقت بدل الضائع، كأنه تمثال حي يستحضر ذكرى الزعيم التاريخي. كان باتريس لومومبا أول رئيس وزراء للكونغو بعد الاستقلال، ويعد أحد أبرز رموز النضال الأفريقي ضد الاستعمار. ورغم اغتياله عام 1961، ظل حاضراً في ذاكرة أبناء بلاده باعتباره رمزاً للكرامة والصمود. ويرى ميشيل في كرة القدم فرصة لتذكير الجماهير بهذا الإرث التاريخي. وما يزيد قصته فرادة أنه يتدرب على الوقوف لفترات طويلة قبل المباريات حتى يتمكن من الحفاظ على وضعيته من دون حركة تذكر. ولم تبدأ شهرة ميشيل في المونديال الحالي، بل برز اسمه بصورة واضحة خلال كأس أمم أفريقيا 2025 التي استضافتها المغرب. فقد حضر جميع مباريات منتخب بلاده في الرباط وطنجة، ووقف بالطريقة نفسها في كل لقاء. وسرعان ما انتشرت صوره ومقاطع الفيديو الخاصة به عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وحظي بإعجاب الملايين. كما أهداه الرئيس الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي سيارة فخمة تقديراً لدوره في رفع معنويات الجماهير وإبراز اسم بلاده، فيما أشاد أيضاً بحسن الاستقبال الذي حظي به في المغرب. وفي مونديال 2026، واجه ميشيل صعوبات لوجستية بعدما تأخرت تأشيرته، ليفوته حضور إحدى المباريات. لكنه تمكن في النهاية من الوصول إلى غوادالاخارا في المكسيك قبل ساعات قليلة فقط من مواجهة كولومبيا. ورغم خسارة منتخب الكونغو بهدف دون رد، فإن ميشيل كان أحد أكثر الشخصيات حضوراً في التغطيات الإعلامية. فقد انتشرت صوره على نطاق واسع، وأصبح جزءاً رسمياً من وفد المنتخب، فيما تحدث عنه اللاعبون والجهاز الفني بإعجاب باعتباره يجسد روحاً مختلفة داخل الفريق. في عالم كرة القدم المزدحم بالضغوط والإيقاع السريع والتكنولوجيا، يقدم ميشيل درساً بسيطاً ومختلفاً. فالتشجيع ليس بالضرورة هتافات صاخبة وأغانٍ جماعية، بل قد يكون صمتاً مقصوداً يحمل رسالة عميقة. وتذكرنا قصته بأن الجماهير من مختلف أنحاء العالم تضيف للبطولات الكبرى معاني وألواناً تتجاوز حدود النتائج، وأن الأفارقة على وجه الخصوص يمتلكون طرقاً مميزة في التعبير عن فخرهم الوطني وتاريخهم. ميشيل كوكا لم يسجل هدفاً ولم يصنع فرصة، لكنه خطف الأضواء بطريقته الخاصة. حضوره يجعل المونديال أكثر إنسانية وأشد ارتباطاً بالذاكرة والتاريخ. وربما يكون هذا النوع من المشجعين هو الذي يترك أثراً في ذاكرة البطولات لا يقل عن أثر بعض اللاعبين. إنها قصة تستحق أن تُروى كلما جرى الحديث عن جمال كرة القدم خارج الملعب. عيسى المسمار