مودريتش.. الرقصة الأخيرة مع كرواتيا على عشب المونديال
في كرة القدم، هناك لاعبون يهزمهم الزمن مبكرًا، وهناك من يتعلمون كيف يفاوضونه بهدوء، ويمدّدون حضورهم كما لو أن العمر مجرد رقمٍ على الورق، لوكا مودريتش ينتمي إلى الفئة الثانية، لاعبٌ لا يركض خلف الأضواء، لكنها تتبعه أينما ذهب، لأنه يمنح المباراة شيئًا لا يُشترى بالقوة ولا بالسرعة: العقل، الإيقاع، واللمسة التي تجعل كل من حوله أكثر اتزانًا. لم تكن كرواتيا يومًا من المنتخبات التي تملك اتساع الكبار، لكنها مع مودريتش بدت أكبر من حجمها الجغرافي، وأكثر جرأة من حسابات التوقعات. منذ سنواته الأولى مع المنتخب، صار لاعب الوسط النحيل قلب الفريق وميزانه، يهدّئ حين يشتد الارتباك، ويفتح الملعب حين تضيق المساحات، ويحوّل الاستحواذ من تمرير عابر إلى لغةٍ كاملة تُدار بها المباراة. في كأس العالم 2018، بلغت حكاية مودريتش ذروتها الأولى. قاد كرواتيا إلى نهائي تاريخي في روسيا، بعد رحلة شاقة تجاوزت الدنمارك وروسيا وإنجلترا، قبل أن تتوقف أمام فرنسا في النهائي. ومع أن الكأس لم تصل إلى زغرب، فإن مودريتش خرج من البطولة بالكرة الذهبية لأفضل لاعب في المونديال، وكأنه نال اعتراف العالم بأن البطولة لا تُقاس دائمًا بمن يرفع الكأس وحده، وإنما بمن يمنحها أجمل معانيها. ثم جاء مونديال قطر 2022 ليؤكد أن الحكاية لم تكن ومضة عابرة. عاد مودريتش أكبر سنًا وأثقل خبرة، وقاد كرواتيا إلى نصف النهائي، بعد عبور قاسٍ أمام اليابان ثم البرازيل، في نسخة كشفت معدن ذلك الجيل الذي يرفض الانكسار. وفي كل مرة كانت المباراة تذهب إلى الدقائق الطويلة وركلات الترجيح، كانت كرواتيا تبدو كأنها تستمد هدوءها من قائدٍ يعرف كيف يجعل الفوضى أقل صخبًا. رقميًا، شارك مودريتش في أربع نسخ من كأس العالم: 2006، و2014، و2018، و2022، وخاض أكثر من 170 مباراة دولية مع كرواتيا، ليصبح أحد أكثر لاعبيها حضورًا وتأثيرًا في التاريخ. غير أن الأرقام، مهما بلغت، لا تكفي وحدها لتفسير مكانته، فهو ليس قائدًا بعدد المباريات، وإنما بطريقة اللعب؛ قائدٌ لا يحتاج إلى رفع صوته كثيرًا، لأن الكرة حين تصل إليه تتكلم بما يكفي. ما يميز مودريتش أن تأثيره لا يظهر دائمًا في الهدف أو التمريرة الأخيرة، بل في المسافة التي يختصرها بين الدفاع والهجوم، وفي اللمسة التي تنقذ زميلًا من الضغط، وفي القدرة على اختيار القرار الصحيح وسط زحام القرارات الخاطئة. لذلك ظل حاضرًا مع ريال مدريد وكرواتيا حتى بعدما ظن كثيرون أن زمنه بدأ يقترب من نهايته. ومع اقتراب كأس العالم 2026، تبدو القصة محاطة بسؤالٍ عاطفي كبير: هل نرى رقصة مودريتش الأخيرة بقميص كرواتيا؟ إذا حضر، فلن يدخل المونديال باحثًا عن تعريف نفسه، فقد فعل ذلك طويلًا، ولن يحتاج إلى شهادة جديدة على عظمته، لأن ما صنعه مع بلد صغير يكفي ليضعه بين أعظم لاعبي الوسط في التاريخ. لكنه سيدخل، إن دخل، حاملًا رغبة أخيرة في أن يمنح كرواتيا فصلًا جديدًا من تلك الحكاية التي بدت أكبر من التوقعات. كأس العالم بالنسبة إلى مودريتش لم تكن بطولة عابرة، بل المسرح الذي تحولت فيه كرواتيا من منتخبٍ محترم إلى ظاهرة كروية صلبة، تعرف كيف تصمد، وكيف تعبر، وكيف تجعل العالم ينتظرها رغم قلة عدد سكانها مقارنة بعمالقة اللعبة. وفي قلب هذه الصورة، يقف مودريتش كراقصٍ أخير في ساحة مزدحمة، لا يرفع الإيقاع بالصخب، بل بالهدوء. لهذا، فإن حكايته مع المونديال ليست حكاية لاعب يقترب من النهاية، بل حكاية فنٍّ كروي يرفض أن يغادر بلا أثر. وإذا كانت نسخة 2026 هي الرقصة الأخيرة، فإن مودريتش سيدخلها كما عرفه العالم دائمًا: بخطوات قصيرة، ولمسة ناعمة، وقلبٍ كرواتي يعرف أن المجد أحيانًا لا يحتاج إلى صخب، بل إلى لاعبٍ واحد يعرف كيف يجعل الحلم يستمر حتى النفس الأخير.