بين هرمز وباب المندب، شرياني العالم ورئتيه الاقتصاديتين، لا تحرك إيران قطعها البحرية وأذرعها العسكرية لخوض معركة نفوذ إقليمي فحسب، بل لإمساك خناق الاقتصاد العالمي، مطبقة بذلك سياسة «الابتزاز البحري» التي تحول الممرات المائية الحيوية من شرايين للتجارة الدولية إلى حقول ألغام سياسية، تضع العالم أمام خيارين لا ثالث لهما، الرضوخ لطموحاتها مهما كانت شريرة، أو مواجهة شاملة قد تفضي إلى سيناريوهات مشابهة أو ربما أسوأ.واستمراراً لنهجها التصعيدي، أوقفت طهران الاثنين، تبادل الرسائل الدبلوماسية مع الولايات المتحدة عبر الوسطاء، مهددة بفرض حصار على مضيق باب المندب، على غرار ما تفعله في مضيق هرمز.الحوثيون وتعتمد الاستراتيجية الإيرانية في مواجهة الضغوط الدولية على تحويل الممرات المائية الحيوية إلى أدوات "ابتزاز سياسي واقتصادي" مباشر، فمع انسداد أفق الحلول العسكرية المباشرة، تعمد طهران إلى نقل المعركة إلى عصب الاقتصاد العالمي عبر التلويح بتحريك ورقة الحوثيين في مضيق باب المندب. تهدف إيران من وراء ذلك إلى فرض معادلة مقايضة واضحة على المجتمع الدولي: "إما تلبية المطالب الإيرانية والتغاضي عن أنشطتها المزعزعة للاستقرار، أو شلل التجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي". ومع غياب البدائل البحرية اللوجستية الفعالة القادرة على استيعاب ملايين البراميل من النفط والغاز المسال، فإن مجرد التلويح الإيراني بفرض حصار بحري يكفي لإثارة الذعر في الأسواق وصناع القرار، محولاً الصراع في المنطقة إلى أزمة دولية مفتوحة.رئة العالم الثانية يمثل مضيق باب المندب، الواقع تحت النفوذ الفعلي لجماعة الحوثي على السواحل اليمنية، الواجهة الأساسية لحرب الوكالة التي تديرها إيران لتهديد حركة الملاحة باتجاه قناة السويس. ويستغل النظام الإيراني (بالامتداد) الطبيعة الجغرافية الحرجة للمضيق، ونقطة اختناقه الضيقة التي لا تتجاوز 29 كيلومتراً، لتوظيف "الورقة الحوثية" كأداة ضغط استراتيجية.ويشير مراقبون إلى أن إيران تدرك تماماً أن تهديد هذا الشريان الذي يمر عبره نحو 12% من التجارة العالمية يمثل رافعة ضغط قوية لإجبار المجتمع الدولي على التراجع عن ملاحقة أنشطتها الابتزازية، ما يمنحها ميزة تفاوضية غير شرعية على حساب أمن الملاحة الدولية.أهمية الاستراتيجية تأتي خطورة الابتزاز الإيراني من الأهمية الفائقة للمضيق الذي يقع بين اليمن على الجانب العربي، وجيبوتي وإريتريا على الجانب الإفريقي، ويمثل أقصر طريق بحري يربط بين الشرق والغرب منذ افتتاح قناة السويس عام 1869. يُعد ممر البحر الأحمر اليوم من أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم، حيث يعبره ما يقارب ربع حركة الملاحة البحرية العالمية. وفي الوقت الذي يمر فيه عبر مضيق هرمز -المهدد تاريخياً من إيران- نحو 20% من النفط العالمي، سيؤدي إغلاق مضيق باب المندب بفعل الأدوات الإيرانية إلى تعطيل 12% أخرى من عمليات نقل النفط (ما يقارب 5 ملايين برميل يومياً متجهة للغرب وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية)، بالإضافة إلى 8% من الشحنات العالمية للغاز الطبيعي المسال، ما يجعله شرياناً حيوياً تملك طهران القدرة على خنقه لابتزاز العالم.ضريبة الابتزاز وتظهر الآثار الفورية لسياسة الابتزاز الإيرانية في أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، حيث تتحول التهديدات إلى تكاليف باهظة وملموسة تقع على عاتق المستهلكين عالمياً، إذ تضطر شركات الشحن الكبرى لعزل مسار البحر الأحمر والالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، ما يضيف مسافات شحن طويلة وزمن عبور يتراوح بين 15 إلى 20 يوماً، وبالتالي يتكبد قطاع النقل البحري مليارات الدولارات كرسوم تأمين وتشغيل إضافية. وفي حال انتقال طهران وحلفائها من مرحلة "التهديد" إلى "الإغلاق الكامل" للمضائق، فإن العالم سيكون أمام واحدة من أشد أزمات الطاقة والتضخم وطأة في التاريخ الحديث، حيث ستتضاعف أسعار النفط، وتتأثر حركة تدفق السلع الأساسية والمواد الغذائية والأسمدة، ما يضع الاقتصادات العالمية -خاصة في أوروبا وآسيا- تحت رحمة الابتزاز الإيراني.العودة لكابوس «إيفر غيفن» إن أي إغلاق كامل لمضيق باب المندب نتيجة العمليات الحوثية الموجهة إيرانياً سيتسبب في كارثة تفوق في آثارها أحداث عام 2021، عندما جنحت سفينة الشحن "إيفر غيفن" وتسببت في إغلاق قناة السويس. فبينما كان حادث عام 2021 عرضياً ومؤقتاً، فإن التحركات الإيرانية المتعمدة ستعني اختناقات حادة، طويلة الأمد، وغير مسبوقة في سلاسل التوريد العالمية. هذا السيناريو لن يقف عند حدود الارتفاع الجنوني في تكاليف الشحن وتأخير تسليم إمدادات الطاقة فحسب، بل سيمتد ليصبح أداة هدم وتخريب للاقتصاد العالمي تستخدمها طهران لفرض أجندتها السياسية على المجتمع الدولي.