بعد اثنين وثلاثين عامًا، تعود كأس العالم إلى الولايات المتحدة من جديد، هذه المرة بمشاركة كندا والمكسيك، فتُوقظ في الذاكرة إحدى أجمل محطات الكرة السعودية مونديال 1994، حيث كانت تلك المشاركة الظهور الأول لمنتخبنا على المسرح العالمي، ولم تبقَ في الوجدان لأنها «مشاركة شرفية»، بل لأنها كانت حضورًا قويًا ومقنعًا، بلغنا معه الدور الثاني، وعرّف "الأخضر" نفسه للعالم بثقة وروح تنافسية عالية، ليكتب اسم الكرة السعودية بين الكبار. وبين 1994 و2026 مسافة زمنية قوامها 32 عامًا، لكنها ليست رقمًا عابرًا بقدر ما هي معنى. معنى يتمثل في العودة إلى المسرح ذاته، واستحضار إرث صنعه الأسلاف، والإيمان بأن التاريخ قد يرسل إشاراته لمن يُحسن قراءته، قد تكون أميركا «فأل خير»، لا لكونها حنينًا فقط، بل لأنها قد تفتح نافذة جديدة لصناعة قصة حديثة بـ «روح قديمة» نستلهم منها: جرأة الاداء، وانضباط في التفاصيل، وشخصية تُنافس ولا تكتفي بمجرد الظهور. وغالبًا ما تُزين الذاكرة صورة مونديال 1994 وتقدمه وكأنه زمن مثالي، غير أن الحقيقة تقول إن ظروف ذلك المنتخب لم تكن أفضل حالًا من واقعنا اليوم، تغييرات فنية في توقيت حساس، قرارات سريعة، وضغط جماهيري وإعلامي لا يرحم، ومع ذلك عبر المنتخب تلك المرحلة، لأن العامل الحاسم لم يكن «اكتمال الظروف»، بل «اكتمال الروح » داخل المجموعة. في تلك الفترة جاء التحول المفصلي بإقالة الهولندي ليو بينهاكر والاستعانة بالأرجنتيني سولاري، اسم لم يكن يملك بريقًا كبيرًا على الورق، لكنه وجد أمامه لاعبين يحملون رغبة صادقة في تقديم أنفسهم ووطنهم للعالم، نجوم حملوا الحلم على أكتافهم، وآمنوا أن كأس العالم ليست بطولة عابرة، بل بوابة لإعلان الهوية الكروية للسعودية فكان الناتج أداءً شجاعًا وشخصية واضحة، وأسماءً بقيت حية في الذاكرة حتى اليوم. والمشهد يبدو اليوم قريبًا في عناوينه العريضة، تغيير فني جديد بعد إقالة رينارد، وحضور اليوناني دونيس، ابن "بلاد الفلاسفة" التي تركت أثرًا ممتدًا في الفكر والأدب والثقافة، لكن المسألة هنا لا تتعلق بجنسية المدرب ولا بسيرته فقط، بل بقدرته على أن يكون «فيلسوفًا» داخل المستطيل الأخضر، يقرأ ما بين سطور المنافسين، ويستخرج أفضل ما في لاعبيه، فهو يعرف طبيعة اللاعب السعودي بحكم سنواته الطويلة في المسابقات المحلية، ويبقى السؤال الأهم: هل يقرأ اللاعب السعودي جيدًا؟ هل يختصر الطريق إلى أفضل نسخة من المجموعة؟ هل يحرر الطاقات بدل أن يطفئها؟ وهل يصنع منتخبًا بشخصية ثابتة لا تتبدل ولا تنهار مع أول ضغط؟ التاريخ لا يكرر نفسه مجاملة لأحد، نعم، قد تكون أميركا فأل خير، لكن الفأل وحده لا يصنع نتائج، النتائج يصنعها فريق يقاتل ويدافع عن اسمه، منتخب يلعب ليُنافس لا ليظهر فقط، وإن كان مونديال 1994 قد علّمنا شيئًا، فهو أن الظروف الصعبة لا تمنع الإنجاز، الذي يمنعه حقًا منتخب بلا رغبة وروح، أو مدرب بلا فكرة، نريد دونيس "فيلسوفًا" بالفعل، لكن فلسفته يجب أن تُرى على العشب، بخطة تُقنع، تشكيلٌ يخدم الفكرة، تبديلات تُنقذ، وانضباط يُحترم. ويبقى الرجاء أن يُسعفه الوقت وتُواتيه الظروف، لأن مونديال 2026 ليس مجرد تذكير بماضٍ جذّاب، بل فرصة لصناعة مستقبل أجمل، وبين ذكريات 94 وطموحات 26، يبقى العنوان الأبرز واضحًا، منتخبنا قادر -بإذن الله- على تقديم مستويات كبيرة متى ما اجتمعت الروح مع العمل، وتحولت فكرة القصة من «استعادة ذكرى» إلى «صناعة إنجاز جديد» يليق باسم السعودية وشغف جماهيرها. حمود فالح السبيعي - الرياض