لأن مفاوضات الجولة الخامسة اللبنانية الإسرائيلية التي تجري في واشنطن برعاية أمريكية، على المستويين السياسي والعسكري، لم تُفضِ إلى أي نتيجة طوال يومين من المفاوضات التي بدأت يوم الأربعاء الماضي، فقد تقرر تمديدها يوماً آخر لعل وعسى تستطيع واشنطن أن تقنع إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها بعد يوم الثاني من مارس/ آذار الماضي.حتى بعد توقيع «مذكرة التفاهم» يوم 18 يونيو/ حزيران الحالي بين واشنطن وطهران التي تدعو في بندها الأول إلى «الإنهاء الفوري والدائم للحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، مع الالتزام المتبادل بعدم استخدام القوة أو التهديد بها»، إلا أن إسرائيل لم تلتزم بها، رافضة الربط بين المسار الأمريكي الإيراني والمسار الذي تراه في لبنان.على الرغم من التباينات التي تبدو على السطح بين واشنطن وتل أبيب، إلا أن إسرائيل تفاوض من منطق قوة يستند إلى ما حققته ميدانياً على الأرض، وإلى ما تمتلك من فائض قدرات عسكرية، وإلى دعم أمريكي واضح، فيما يفاوض الوفد اللبناني مثله مثل الجندي الذي يذهب إلى ساحة المعركة من دون سلاح، معتمداً على ما يمتلكه من موقف قانوني بشأن حقوقه السيادية والانسحاب من أراضيه المحتلة، ورهانه على موقف أمريكي يمكن أن يقنع إسرائيل بالالتزام بالقانون الدولي بالانسحاب، وتمكين الدولة اللبنانية من بسط سلطتها على كافة الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيدها فقط، وانسحاب حزب الله من جنوب نهر الليطاني.بدا خلال يومين من المفاوضات أن الجانب الإسرائيلي لديه أجندة مختلفة تماماً عن أجندة الجانب اللبناني، ما أدى إلى مراوحة بين الموقفين وبالتالي تمديدها ليوم آخر. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أعلن خلال المفاوضات أن «إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان»، مشدداً على أن القوات الإسرائيلية ستبقى هناك «ما اقتضت الضرورة». أما وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس فقد أعلن خلال حفل تخريج في أكاديمية عسكرية «نحن نعارض سحب قواتنا رغم كل الضغوط القائمة وتلك التي قد تأتي لاحقاً». هذا يعني أن إسرائيل تغلق الباب أمام أي اتفاق محتمل، رغم أن الخارجية الأمريكية تصرّ على استكمال المفاوضات و«تيسير هذه العملية».أما السفير الأمريكي لدى إسرائيل يحيئيل لايتر فوصف المفاوضات بـ«الفشل الذريع»، وأضاف أنه عند المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان «ركبنا جميعاً القطار نفسه، وكانت الولايات المتحدة هي القاطرة.. اليوم هذا القطار مهدد بالخروج عن مساره.. آمل أن نتمكن من إعادته إلى سكته».كانت الجلسات الأخيرة ناقشت مسألة ما يسمى «المناطق التجريبية» التي يمكن للجيش الإسرائيلي الانسحاب منها، على أن يحل محله الجيش اللبناني، لكن ظهر خلاف حول نطاقها الجغرافي وآلية تطبيقها، إذ تمسّك الوفد اللبناني بحصر أي منطقة تجريبية ضمن الأراضي الواقعة تحت الاحتلال، فيما سعى الجانب الإسرائيلي إلى توسيع نطاق منطقة التجربة لتشمل مناطق شمال نهر الليطاني، كما برز خلاف حول آلية فض الاشتباك والجهة التي ستشرف عليه، ومعالجة الخروقات أو الانتهاكات التي قد تنشأ خلال التطبيق، والجهة التي يمكن أن تُلزم إسرائيل بتنفيذ ما يمكن الاتفاق عليه.ولعل أصعب عقدة في المفاوضات تتمثل في رفض الجانب الإسرائيلي تحديد جدول زمني للانسحاب من الأراضي اللبنانية، ومن بينها المواقع الحدودية الخمسة التي كان قد احتلها في السابق. كما أن الجانب الإسرائيلي أصرّ على التزام الجانب اللبناني بنزع سلاح حزب الله في كل لبنان وليس في جنوب نهر الليطاني فقط، ما يضع السلطة اللبنانية أمام أزمة داخلية صعبة وخطرة، طالما لم تلتزم إسرائيل بالانسحاب من كل الأراضي اللبنانية كخطوة تمكّن السلطة اللبنانية من تنفيذ حصرية السلاح. إنها مفاوضات على حد السكين بين من يملك القوة ومن يملك الحق والقانون.