«مَن يرى أكثر مما ينبغي، ينتهي به الأمر غريباً في كل مكان»، يتطرق فريدريك نيتشه في هذه المقولة إلى فكرة ضريبة الوعي ونتائجه العكسية على من أُثقل به؛ فلكل مغنمٍ مغرمٌ لا بد منه. فكما أن ازدياد الوعي يقشع ظلمة الجهل، فإنه قد يقود صاحبه إلى منطقة قابعة في غياهب العزلة؛ أشبه «بالبرج العاجي» الذي يسكنه بعض العلماء والمفكرين؛ لإدراكهم ما لا يدركه الآخرون، أو رؤيتهم من التفاصيل والمعاني ما يغيب عن غبراء الناس، حيث تتجلى ملامح الاغتراب التي يرسمها الإدراك. وفي هذا السياق، تبرز أسطورة الكهف الأفلاطوني؛ فحين يخرج أحدهم إلى النور ويرى ما وراء الظلال، يعود غريباً بين أولئك الذين ما زالوا يرون الظلال حقيقة كاملة؛ أي عندما يرى الإنسان ما وراء المألوف، سيبدو غريباً في أعين الناس، لأنه تجاوز ما اعتادوا عليه، أو لأنه سبق زمنه، حيث يتحول الوعي من نعمة إلى عبء، ومن سبيل للمخالطة إلى حالة من الانكفاء، ومن معرفة تمهد المسيرة، إلى مسؤولية تثقل المسير. ولعل في تاريخنا أحد تلك الشواهد؛ فقد وجد ابن رشد نفسه محاصَرًا ومنبوذًا بسبب أفكار أثارت جدلًا واسعًا في عصره، فلم تلقَ قبولًا لدى كثير من معاصريه، فأصبحت المعرفة سببًا لغربته بعد أن كانت سبيله إلى العلم والفهم. وتتجاوز هذه الغربة عالم الأفكار إلى حياة الإنسان اليومية، فحين نقترب ممن نحب، ونرى محاسنهم ثم نقف على عيوبهم، ونلامس تفاصيلهم الصغيرة قبل الكبيرة، يتبدد أحياناً ذلك البريق الأول الذي صنعته التصورات المسبقة. وما كان يبدو مثالياً من بعيد يصبح أكثر تعقيداً من قرب، حتى ينتهي الأمر ببعض العلاقات إلى قدر من الجفاء أو الاغتراب بعد زمن من الوداد. وهذا ما يفسر شهرة المثل الإنجليزي القائل: «The devil is in the details»، فنفثات الشيطان تكمن في فيوض التفاصيل. ويمتد هذا المشهد إلى ميدان القيم والأخلاق، فعندما تطفو صراعات الخير والشر، والمصالح والمبادئ، على السطح، وتُدار المواقف بمكر مغرض أو خديعة مطوية أو شرور جلية، يجد أصحاب النزاهة أنفسهم غرباء في بيئات لا تشاركهم ذات المنظومة القيمية، ويبدو هذا اللون من الغربة من أقدم ألوان الغربة الإنسانية وأكثرها إيلاماً، وقد تجسد ذلك في قصص الأنبياء والفضلاء؛ ففي قصة نوح كان الاستهزاء نصيبه ومن آمن معه، وفي قصة شعيب بلغ الأمر حد التهديد بالرجم، وفي قصة يوسف قاد الحسد إلى إلقائه في غياهب البئر، وفي جميع هذه المشاهد ظهر الإنسان غريباً لأنه رأى ما لم يره غيره، أو تمسك بفضائل لم يتمسك بها غيره. ويتجلى ملمح من ملامح الغربة كذلك في أصحاب المواهب الفذة، فالموهبة في جوهرها صورة أخرى من صور الرؤية المختلفة؛ إذ تمنح صاحبها قدرة على إدراك ما لا يدركه غيره، أو التعبير عما يعجز عنه الآخرون، وقد أشار المتنبي إلى هذا المعنى حين قال: وَهَكَذا كُنتُ في أَهلي وَفي وَطَني إِنَّ النَفيسَ غَريبٌ حَيثُما كانا فقد كان صاحب قريحة متفردة وفصاحة نادرة أدهشت معاصريه وأعيت من جاء بعده، ومع ذلك أحاطت به الخصومات والعداوات، وظلت الغربة تلازمه رغم ملكته وضلاعته. وتلك حال كثير من أصحاب المواهب حين تتجاوز قدراتهم حدود المألوف في بيئاتهم، فيجدون أنفسهم على الهامش بدلا عن المضمون والعنوان! وعند تأمل هذه المشاهد مجتمعة؛ غربة المفكر، وغربة الأخلاقي، وغربة الموهوب، وحتى غربة الإنسان في بعض علاقاته، تبدو العلة واحدة وإن اختلفت صورها؛ فكلما اتسعت نافذة الإنسان على العالم، اتسعت المسافة بينه وبين ما اعتاده الناس. وكلما ازداد إدراكه للتفاصيل والمعاني والقيم، ازدادت احتمالات شعوره بالانطواء عن محيطه. ولعل الغربة، في كثير من الأحيان، ليست سوى الوجه الآخر للوعي، فمن يقف داخل حدود المألوف ينعم غالباً براحة الانسجام مع الجماعة، بينما يقف آخرون على شرفة تطل على آفاق أبعد، فيرون ما لا يراه غيرهم، ويحملون من الأسئلة والهواجس ما لا يحمله سواهم. وهناك، على تلك الشرفة، تبدأ الغربة التي تحدث عنها نيتشه؛ غربة تنشأ من رؤية العالم على نحو مختلف.