مغامرة الحزب الأمريكي الثالث

قد لا يعرف الكثيرون أن هناك عشرات الأحزاب في الولايات المتحدة، إلّا أن العالم لا يعرف منها إلا الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، وهما يسيطران على الحياة السياسة الأمريكية منذ نشأة الولايات المتحدة عام 1776، ولم يشكّل وجود هذه الأحزاب تحدّياً للحزبين المذكورين، على الرغم من محاولتها المتواصلة اختراق هذا «التابو» الذي بات بمثابة حائط مصفح يحول دون وصول أيّ حزب ثالث إلى مجلسيَ النواب أو الشيوخ، أو إلى البيت الأبيض، على الرغم من ترشح العديد من ممثلي هذه الأحزاب، مثل «الأحرار» و«الخضر»، إلى الانتخابات، باستثناء المرشح إلى الرئاسة، روس بيرو، عام 1992، حين حصل على 19 في المئة من الأصوات.يرجع سبب هيمنة الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، على الحياة السياسية الأمريكية، إلى سيطرتهما على الأدوات المالية، والمراكز الإعلامية والفكرية، وقدرتهما على تلبية مطالب ومصالح جماعات الضغط الكبرى(اللوبيات)، مثل اللوبي الإسرائيلي (إيباك)، ولوبي تجار السلاح، ولوبي الطاقة، ولوبي شركات التكنولوجيا والاتصالات، واللوبيات الطبية وشركات الأدوية، وهذه اللوبيات تعتبر المموّل الرئيسي لمرشحي الحزبين للكونغرس والرئاسة، في حين تعجز الأحزاب الأخرى عن الحصول على تمويل من أيّ من هذه اللوبيات، وعدم قدرتها حتى على تغطية حملاتها الانتخابية، أو المشاركة في الحملات الإعلامية التلفزيونية.وعلى الرغم من أن الدستور الأمريكي لم يتطرق إلى موضوع الأحزاب السياسية، كما لم يكن أول رئيس وهو جورج واشنطن، حزبياً، فإن القانون الأمريكي يسمح بتشكيل أحزاب جديدة.وعندما يعلن الإعلامي الأمريكي المحافظ، تاكر كارلسون، عزمه تشكيل حزب سياسي جديد، لأن «الحزبين الجمهوري والديمقراطي لم يعودا يمثلان خيارين مختلفين في القضايا الأسياسية»، واعتبر أن هذا الواقع «ليس ديمقراطية، بل نظام حزب واحد يتظاهر بأنه ديمقراطية»، فإنه في الواقع يقوم بمغامرة سياسية من الصعب أن تحقق اختراقاً سياسياً في النظام الحزبي القائم الذي فرض نفسه على الحياة السياسية. إذ سبقه إلى ذلك الملياردير أيلون ماسك، الذي أعلن في يوليو/ تموز 2025 عن تأسيس حزب أطلق عليه اسم «حزب أمريكا»، وأيضاً قيام عدد من السياسيين، وعلى رأسهم المرشح الرئاسي السابق أندرو يونغ، وكريستين تود ويتمان الحاكمة الجمهورية السابقة لولاية نيوجيرسي، على تشكيل حزب «إلى الأمام»، لكن من الواضح أن هذه الأحزاب في حال قيامها سوف تبقى هامشية، وغير مؤثرة، على الرغم من قدرتها على استغلال شعور نسبة من الأمريكيين الذين يرفضون سيطرة حزبين على الحياة السياسية، ولا يثقون برموزهما السياسية، أو ببرامجهما الإنتخابية، لكن هذه الفئة غير مؤثرة في الصنادق الإنتخابية.لذلك، من الصعب أن يشقّ أي حزب جديد «مساراً ثالثاً»، على الرغم من أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن شرائح واسعة من الشعب الأمريكي تشعر بالتململ من ظاهرة الثنائية الحزبية، فالحملات الانتخابية المكلفة لن يتمكن أيّ حزب ثالث من توفيرها، طالما صنابير المال التي توفرها اللوبيات تصب في مصلحة مرشحي الحزبين الرئيسيين.