«مدارات النور» رحلـة الحـج وإلهام التجريـب الفنـي المعاصـر
في فهم ماهية الفن وتحولاته، وابتعاداً عن الدنيوي المادي كركيزة جوهرية للانتقال نحو «الرمزي والمطلق»، وذلك عبر علاقات ترابطية مكينة، يتلازم الفن والدين في فضاء علاقة عضوية فاعلة وحيوية، ومدارات يتسامى كلاهما بالتعامل مع الرمزي في الحياة والبحث في آفاق المطلق. كمحاولة لتصدير تجارب وأنساق روحية خالصة، يتلمس فيها الفنان بعينه البصيرة عن الجمال اللامتناهي، ونشد قيم الأخلاق والخير الصافي. من هذا المنطلق تصدح المحترفات الفنية بخطابات بصرية وأدبية تتوارثها الثقافات، مستعيرةً لغةً حداثية قادرة على إيصال المعاني العميقة، وتجسيد الشعائر، وتشخيص عناصر المناسبات الدينية بما يحول الطقس إلى أثر جمالي خالد، ويمنح العمل الفني ديمومته وقدرته على تجاوز الماديات، والاكتساء بأبعاد بصرية ديمومة نابضة بالحياة، لترسيخها في الذاكرة كإرث حي مستدام شاخص يرسل مدلولات بصرية تحشد عناصر التجرد والزهد والتوغل في ممالك الروحانية والتجرد والإخلاص. تشخيص عناصر الحج في الخطاب البصري المعاصر نحو تجاوز المادي وتشخيص الطقوس والمناسبات الدينية في الخطاب الفني المعاصر- انبرت تلك المناسبات «كمحفز إبداعي»، حيث يمنح الدين للمناسبة قداستها وروحانيتها، بينما يستردف الفن هذه الروحانية كشكل مرئي ملموس يرسخ في الوجدان الإنساني، فالفن في جوهره هو لغة الروح، وعندما يلتقي مع المناسبة الدينية فإنه يعيد إنتاج الفضاء والزمن ليجعلهما أكثر ثراءً وعمقًا، محولًا تلك المناسبة إلى احتفاء إنساني وإبداعي تندمج فيه أصالة المفهوم الروحي وحداثة الأدوات التعبيرية. «وشعيرة الحج» في محترفات الفن الحداثي لم تعد مجرد موضوع للتسجيل الوثائقي أو المحاكاة الفوتوغرافية، بل مناسبة دينية كبرى وروحية غنية، تحولت إلى مختبر تعبيري لابتداع أطروحات حداثية تفكك المظهر لتصل إلى الجوهر الروحي، ومنظومة متكاملة من العلاقات التشكيلية (الكتلة، الفراغ، الحركة، النور، اللون)، والتراكيب التصميمية ذات النظام البنائي الذي يجمع بين النظام البنائي الأساسي، التراكيب التصميمية الداخلية لهذا النظام، سواء كانت هندسية حادة أو عضوية تخفف من حدة هذا النظام البنائي. ولروحانية المشاهد والمناسك الدينية أثناء الحج مرتكزات تشكيلية تحفز التفكير الإبداعي للفنان من خلال استلهام ديناميكية الطواف وحركية الخط، ومشهد الطواف حول «الكعبة المشرفة» كجوهر لحركة دائرية كونية تختزل ثنائية السكون والمركز، وترجمة الحشود البيضاء في اللوحة إلى طاقة حركية دائرية تلتف حول مركز (الكعبة)، ليتحول بذلك الجسد الإنساني المطوف من كتلة مادية إلى نقطة ضوئية في مدار روحي، وهو ما يبرز فكرة الجذب الروحي والذوبان في المطلق، وهو ما يتقاطع مع جماليات التجريد التعبيري واختزال اللون وهو ما تفرضه» شعيرة الحج» من ثنائية لونية بالغة الصرامة والعمق (الأبيض - ملابس الإحرام) و(الأسود والذهبي - كسوة الكعبة)، واحتفاء بالفعل الدرامي للغة الشكل داخل الحيز الفراغي، وفعل التجريد والتبسيط وفق نسق مع لغة التباينات اللونية والذي أسهم بقيمة تعبيرية مضافة، وإشاريات رمزية للتطهر والنقاء والمساواة. فاستلهام طقوس وشعائر الحج في الأطروحات الفنية هو تجسيد للقوة الكامنة في المناسك الدينية، واصطياد للحظة «وتوثيق للموقف» وصهرها في سياق إبداعي دائم وشاغل، وخارطة نابضة في الخطاب البصري، من خلال تجسيد لحظات عميقة تصطبغ بالعبق والبعد الروحاني، الذي يربط (الإنسان وربه) داخل مناسك الحج، وعلاقات البشر النقية في المشاعر، وتصوير الحجيج الذين انفضوا من معوقات الدنيا، هروعاً لله الأحد، واستجابة لأمره، وانتقالاً من دركات الأرض إلى المنازل الروحية والضيافة الرحمانية ومدارج السعادة، لتتهذب نفوسهم وتتطهر قلوبهم في تلاقٍ اجتماعي وتعارف إسلامي واجتماع للنفوس المؤمنة على مودة ورحمة روحانية في ظليل الأماكن المقدسة، وهو ما يجعل من لوحات الحج حقلاً مغناطيسياً وخطاباً بصرياً عالمياً يفهمه المشاهدون باختلاف ثقافتهم، لقدرته على مخاطبة الوجدان وشحذ الإنسان نحو الخير والأخلاق والحق والاتصال بالمطلق. *الأستاذ بقسم التصميمات البصرية والرقمية المساعد من أعمال محمد الرباط عدسة الأميرة ريم الفيصل عدسة الأميرة ريم الفيصل من أعمال محمد الرباط عدسة الأميرة ريم الفيصل عدسة الأميرة ريم الفيصل عدسة الأميرة ريم الفيصل من أعمال محمد الرباط من أعمال محمد الرباط عدسة الأميرة ريم الفيصل من أعمال محمد الرباط