ما وراء العمليات العسكرية في صحراء مصر الشرقية

استيقظ أحمد*، منقّب يبلغ من العمر 20 عامًا، من غرب السودان، فجر الثلاثاء 16 يونيو الجاري على دوي غارة جوية استهدفت المنجم الذي يعمل فيه بالتنقيب عن الذهب في منطقة «جبل العقيدات» المصرية شمال مثلث حلايب. من المكان الذي يبيت فيه مع مئات المعدّنين الآخرين، أمكنه أن يرى أن ضربة استهدفت المنجم. رفع بصره إلى السماء، فرأى طائرات تحلّق على ارتفاع منخفض فوق المنطقة. أخرج هاتفه وبدأ بالتصوير. في المقطع الذي أرسله إلى «مدى مصر»، يظهر عشرات الأشخاص وهم يفرون وسط حالة من الارتباك والفوضى، فيما ترتفع في الأفق سحابة كثيفة من الدخان من موقع ضربة. يُسمَع أحمد وهو يردد، «الطيران المصري.. الطيران المصري يا جماعة». المقطع الذي حصل عليه «مدى مصر»، 16 يونيو. كان أحمد على يقين من أن الطائرات مصرية. بحسب ما أفاد به أحمد وعدد من المعدّنين الآخرين في المنطقة ممن تحدثوا لـ«مدى مصر»، سبقت غارات 16 يونيو أيام من التعزيزات الأمنية على الأرض وتحليق طائرات استطلاع بشكل شبه متواصل فوق مواقع التعدين. لم تكن تلك المرة الأولى التي تنفذ فيها القوات المصرية عمليات لإبعاد المعدّنين عن المنطقة. وصف ثلاثة مسؤولين حكوميين مصريين العمليات العسكرية الحدودية بأنها متكررة، على الرغم من أنهم لم يتحدثوا عن ضربة الأسبوع الماضي تحديدًا. ما جرى في هذه الضربة كان مختلفًا من حيث الحجم والنطاق عن أي مما سبق، بحسب المعدّن محمد علي، الذي يقول إن الضربات استهدفت مناطق واسعة وممتدة عبر الطيران الحربي. المنقّبون الثمانية الذين تحدثوا لـ«مدى مصر» أفادوا بأن العملية العسكرية شهدت غارات جوية استهدفت المنجمين الرئيسيين في المنطقة التي تُعرف بـ«شمال الوادي»، والواقعة داخل الأراضي المصرية، وأعقبها انتشار عسكري بري واسع في المناجم والمناطق المحيطة بها. أحد المعدّنين، والذي كان حاضرًا أثناء الغارات، قال لـ«مدى مصر» إن الضربة أعقبتها ضربات أخرى في اليوم التالي استهدفت منجم الجبل الأحمر الواقع في «شمال الوادي». أدت العملية إلى فرار آلاف المنقّبين. وبينما تمكن بعضهم من الوصول إلى بلدات التنقيب القريبة، ظل مصير آخرين مجهولًا، ما أثار مخاوف بين زملائهم وعائلاتهم من سقوطهم قتلى. لكن كثيرًا ممن كان مصيرهم مجهولًا بعد الضربة عُثر عليهم. حصيلة القتلى تبدو الآن أقل من التقديرات المبالغ فيها التي نقلتها حسابات مختلفة على شبكات التواصل الاجتماعي، إذ يقول مصدر طبي يعمل في المنطقة الحدودية لـ«مدى مصر» إن عددهم بلغ 23 شخصًا. غير أن عدد الضحايا وحجم العملية يكشفان عن بؤر توتر جديدة. مسؤولان مصريان آخران رفيعا المستوى أكدا لـ«مدى مصر» تنفيذ مصر «غارات جوية ضد مجموعات سودانية متسللة إلى المناطق المصرية من الحدود وتقوم بعمليات التنقيب عن الذهب دون الحصول على التراخيص اللازمة من الجهات المختصة»، بحسب تعبير أحدهما. بحسب المسؤولين المصريين، تنظر القاهرة إلى المنطقة الحدودية باعتبارها واحدة من أغنى المناطق بالذهب، وترى أن استغلال مواردها يجب أن يخضع بالكامل لسيطرة الدولة. إلى جانب هذا، تتزايد المخاوف داخل الدوائر الرسمية من أن يتحول التعدين غير النظامي وشبكات التهريب المحيطة به إلى جماعات مسلحة أكثر تنظيمًا وقوة، بما قد يزيد من تعقيدات الحرب الدائرة في السودان بقدر ما يهدد الوضع الأمني في جنوب مصر. لكن أحد المسؤولين المصريين يضيف كذلك أن حجم الهجوم الذي وقع الأسبوع الماضي كان يهدف أيضًا إلى توجيه رسالة، في ظل تنامي القلق المصري من أن تؤدي التجاذبات الدولية المرتبطة بالحرب السودانية إلى إبرام تفاهمات تتطلب فرض حق للسودان في مثلث حلايب وشلاتين، والذي تفرض مصر سيطرة إدارية وعسكرية فعلية عليه منذ منتصف التسعينيات، ولا يزال السودان يعتبره جزءًا من ولاية البحر الأحمر. «الضربات تحمل رسائل واضحة للإقليم وللداخل السوداني، مفادها أن مصر لن تتنازل عن سيادتها على مثلث حلايب وشلاتين»، يقول أحد المسؤولين. *** بشكل ما، تندرج أحداث الأسبوع الماضي ضمن قصة أكبر تتمثل في مساعي الدولة المصرية لاستعادة سيطرتها الاقتصادية على الثروات المعدنية الهائلة الكامنة تحت أراضي جنوب شرقي البلاد. بدا هذا البعد واضحًا في البيان الذي أصدره المتحدث العسكري للقوات المسلحة المصرية، الإثنين الماضي، بشأن العملية. فمن دون أن يحدد زمان العملية أو موقعها، أقرّ المتحدث أن القوات المسلحة ووزارة الداخلية نفذتا عملية في «المنطقة الجنوبية العسكرية» استهدفت ما وصفه بـ«البؤر الإجرامية التي تستغلها التنظيمات والشبكات الإجرامية لممارسة أنشطة غير مشروعة» منها «الاتجار بالمواد المخدرة والسلاح والتنقيب غير المشروع عن الذهب والهجرة غير الشرعية». وأضاف البيان أن هذه «التنظيمات الإجرامية» لا تمثل تهديدًا للأمن القومي فحسب، بل تخلّف أيضًا آثارًا سلبية على «الاستقرار الاقتصادي، ومناخ الاستثمار، وجهود التنمية المستدامة». تعود الجهود الرامية إلى توفير دعم عسكري لـ«مناخ الاستثمار» في قطاع الذهب إلى 2014، عندما بدأت الدولة المصرية العمل على تقنين سيطرتها على نشاط التعدين الأهلي غير الرسمي، والذي توسع بصورة لافتة في أعقاب ثورة يناير 2011، خصوصًا في المناطق الصحراوية المحيطة بأسوان. وعلى الرغم من شنها حرب الذهب تلك، لا تزال مناطق الامتياز الممنوحة للمستثمرين للتنقيب عن الذهب في الصحراء الشرقية تواجه ما تعتبره السلطات تعديات مستمرة من جانب المنقبين الأهليين. يضرب مصدر في هيئة الثروة المعدنية، تحدث لـ«مدى مصر» في أعقاب العملية العسكرية، مثالًا على ذلك بمبادرة جديدة تعتزم الهيئة إطلاقها بين سفاجا وبرنيس على ساحل البحر الأحمر. «المستثمرون في أغلب المناطق بالصحراء الشرقية لا يستطيعون تسلم مناطقهم. المنقبون يدخلون تلك المناطق ويعملون فيها حتى مع وجود أصحاب حق امتياز التنقيب فيها»، يقول المصدر. بحسب المصدر، فإن هذا الواقع يفسر النشاط العسكري المتزايد في امتداد السلسلة الجبلية بأكملها، وليس فقط في الشريط الحدودي الملاصق للسودان. يتفق مع هذا التقدير أحد المسؤولين المصريين رفيعي المستوى اللذين تحدثا إلى «مدى مصر»، معتبرًا أن السيطرة على حقول الذهب تمثل أحد الدوافع الرئيسية وراء العمليات التي تستهدف إبعاد المعدّنين عن المنطقة. «الدولة تقوم الآن بعمليات مسح جوي للثروات المعدنية في الصحراء الشرقية والغربية من أجل تحديث الخرائط الجيولوجية للدولة استعدادًا للاستفادة منها»، يقول المسؤول، مضيفًا أن «هناك مجموعات سودانية كثيرة تعمل في مجال التنقيب عن الذهب في الصحراء السودانية ويتم الاستعانة بهم من بعض المنقّبين المصريين». على الأرض، كان المنقّبون يشعرون بأن شيئًا ما يلوح في الأفق قبل أيام من تنفيذ العملية العسكرية. ففي منطقة رأس الجبل، التي تضم أحد أكبر تجمعات التنقيب الأهلي في جبل العقيدات، قال خمسة منقّبين لـ«مدى مصر» إن التحركات العسكرية المصرية تكثفت خلال الأيام السابقة للهجوم، بالتوازي مع نشاط مكثف لطائرات الاستطلاع فوق منطقة التنقيب الحدودية. يقول المنقّب هارون التوم، الذي فرّ من المنطقة عقب الهجوم، إن قوة مصرية برية كبيرة وصلت من جهة البحر الأحمر واستقرت حول مواقع التنقيب لمدة تقارب يومين، مضيفًا أن طائرات استطلاع حلقت بصورة متواصلة بين 13 و15 يونيو، قبل أن تبدأ الغارات الجوية صباح 16 يونيو. شركة «شلاتين للثروة المعدنية» المملوكة للدولة هي إحدى الأدوات الرئيسية التي اعتمدت عليها الدولة في خطتها. تهدف الشركة، بحسب موقعها الإلكتروني، إلى تقنين أوضاع العاملين في التنقيب العشوائي عن الذهب فى الصحراء الشرقية، وتحصيل حقوق الدولة. وتتوزع ملكية الشركة على أربع جهات: الهيئة المصرية العامة للثروة المعدنية (35%)، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية (34%)، وبنك الاستثمار القومي (24%)، والشركة المصرية للثروات التعدينية (7%). تشير خريطة نشرتها وزارة البترول في 2020 إلى أن الشركة تمتلك امتيازات للتنقيب داخل المثلث الحدودي المتنازع عليه، في مناطق تمتد عبر الحدود الفاصلة بين الأراضي المصرية والمناطق المتنازع عليها. خريطة توضح امتيازات التنقيب عن الذهب على طول الحدود المصرية-السودانية، نشرتها وزارة البترول المصرية عام 2020. قبل شهرين، تصدى المنقّبون الأهليون العاملون في المنطقة الواقعة داخل الأراضي المصرية لمحاولة «شركة التعدين المصرية» -وهو الوصف الشائع الذي يستخدمه المنقّبون للإشارة إلى شركة «شلاتين»- الاستيلاء على بعض مواقع الإنتاج بالقوة، وأجبروها على الانسحاب. في أعقاب الغارات الجوية التي نُفذت الأسبوع الماضي، تقدمت وحدات مدرعة مصرية داخل شمال الوادي وفرضت سيطرتها على المنطقة، ما أدى إلى إغلاق المنجمين الرئيسيين، بحسب أحمد والمعدّن آدم إسحاق. يقول أحمد إنها تحركت نحو «شركة التعدين المصرية». يضيف الصادق الجيلي، وهو منقّب آخر فرّ من المنطقة عقب الهجمات، أن الغارات الجوية أثارت حالة من الذعر دفعت ما بين خمسة آلاف وسبعة آلاف عامل إلى الفرار فورًا من المنطقة، مضيفًا أن المصابين نُقلوا إلى منطقة الأنصاري القريبة بواسطة سيارات أرسلها سكان محليون. وفي خضم الفوضى، بدأ المنقبون وذووهم يقدرون أن أعداد القتلى قد تكون كبيرة، ولا سيما مع تعذر معرفة مصير أعداد كبيرة من الأشخاص الذين كانوا منتشرين في المنطقة الجبلية الوعرة. يقول مصدر طبي سوداني يعمل قرب الحدود الشرقية بين السودان ومصر -وهي منطقة تعاني محدودية كبيرة في الخدمات الطبية- لـ«مدى مصر» إنه تمكن، من خلال التنسيق مع وحدات طبية محلية أخرى، من تأكيد مقتل 23 شخصًا جراء الغارات، مضيفًا أنه شارك مع آخرين في المنطقة في جهود لتحديد المفقودين والوقوف على الحجم الحقيقي للهجوم. «اكتشفنا أن الذين اختفوا أو بلغ عن اختفائهم داخل الحدود المصرية تم ترحيلهم بواسطة قوات مصرية إلى معبر أرقين، وهم حاليًا في الولاية الشمالية». يقول أحد المنقّبين الذين أُبعدوا من معبر أرقين إن الجيش المصري جمع المنقّبين الذين قُبض عليهم خلال عمليات المداهمة اللاحقة في نقاط محددة ومن ثم نقلهم إلى إدفو، وبعد ذلك إلى أسوان، ومنها إلى أرقين. ينقل محمد علي رواية مشابهة، حيث أوضح أنه انفصل عن عدد من رفاقه أثناء الغارات، قبل أن يخبروه لاحقًا أن الجيش المصري نقلهم في آلياته إلى معبر أرقين الحدودي، حيث عبروا إلى السودان. إذا كان الهدف من عملية الأسبوع الماضي إنهاء نشاط التعدين غير النظامي في تلك المواقع، فيبدو أنها حققت غايتها، على الأقل في الوقت الراهن. فبحسب إسحاق، أصبحت معسكرات التنقيب في المنطقتين شبه خالية من المنقّبين. *** لكن، وبحسب المسؤول المصري، فإن الشاغل الأكبر لدى القاهرة لا يقتصر على التعامل مع المعدّنين الأهليين، بل يتعلق بأمن المنطقة الحدودية. على مدار سنوات، استقطب منجما جبل العقيدات والجبل الأحمر المجاور آلاف المنقّبين والتجار والعمال السودانيين والمصريين. ورغم أن المنجمين يقعان على مسافة تقارب 50 كيلومترًا داخل الأراضي المصرية، بحسب محمد علي، فإن النشاط المرتبط بهما يبدأ فعليًا من داخل السودان. فمن هناك تبدأ نقطة انطلاق عمليات التعدين وحركة العمال والنفوذ الاقتصادي، قبل أن تمتد شمالًا إلى داخل الأراضي المصرية لمسافة تتراوح بين 50 و70 كيلومترًا. وبفعل اندفاع آلاف الباحثين عن الذهب، تبدلت ملامح المنطقة المحيطة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا. يظهر ذلك بوضوح في محلية رتج السودانية الواقعة إلى الجنوب من مثلث حلايب، حيث أفضى ازدهار التعدين إلى نشوء مركز تجاري ضخم. يقول المنقّب عثمان الصديق إن الوجود السوداني المسلح الوحيد في المنطقة الحدودية يقتصر على قوة تابعة للقوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش، لا يتجاوز قوامها سبع عربات قتالية، مشيرًا إلى أن هذه القوة انشغلت أساسًا بفرض جبايات غير رسمية على المعدّنين بدلًا من توفير الحماية الأمنية لهم. ويضيف أن العمال ظلوا يشتكون من فرض رسوم مرتفعة ومصادرة أجزاء من الإنتاج تحت تهديد السلاح. أدى غياب الحضور الرسمي للدولة من الجانب السوداني من الحدود إلى فتح المجال أمام تنافس بين المجموعات القبلية الساعية إلى السيطرة على طرق الوصول إلى المناجم ومسارات التجارة والأسواق المرتبطة بها. غذّى هذا التنافس توترات ممتدة بين أبناء قبيلتي الرشايدة والبشاريين في منطقة رتج، وبدأت مؤشرات التصعيد تظهر بوضوح في 12 يونيو الجاري. وبحلول 17 يونيو، كانت النزاعات حول الأراضي الغنية بالذهب والأسواق التي نشأت حول قطاع التعدين تطورت إلى حشد متبادل بين الطرفين للمقاتلين والأسلحة كاد أن يفضي إلى مواجهة مباشرة بين الطرفين، وفقًا للمنقّب الراشد الفاضل، والذي شهد الأحداث. أدت هذه التطورات إلى عقد اجتماع طارئ للجنة أمن ولاية البحر الأحمر في اليوم نفسه، بحسب مصدر حكومي بالولاية. ويقول المصدر لـ«مدى مصر» إن الاجتماع ناقش الأحداث التي شهدتها منطقة الرتج، بما في ذلك النزاع القبلي ومظاهر التسلح المرتبطة بالصراع على مناجم الذهب والأسواق المحلية، مضيفًا أن اللجنة وجهت الأجهزة الأمنية بالتحرك الفوري نحو المنطقة لاحتواء التفلتات الأمنية والقبض على المتورطين في الأحداث. كما تحرك زعماء قبليون من الجانبين لاحتواء التوتر. فبحسب مصدر من قبيلة الرشايدة، دعا نائب ناظر القبيلة، مبارك أحمد حميد، أبناء القبيلة إلى ضبط النفس وعدم الانجرار وراء دعوات الفتنة. ومن جانب البشاريين، اتهم إبراهيم مصطفى، رئيس لجنة شباب القبيلة، ما وصفها بخلايا مرتبطة بمليشيات مسلحة بالسعي إلى زعزعة استقرار المنطقة وإشعال صراع قبلي، داعيًا السلطات إلى التدخل السريع لمنع تدهور الأوضاع. من جانبه، عقد رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، الإثنين الماضي، اجتماعًا مع شخصيات قبلية من منطقة رتج في محاولة لاحتواء التوتر، بحسب مصدر حضر اللقاء. البرهان يلتقي شخصيات قبلية في رتج، في 22 يونيو الجاري، في محاولة لاحتواء التوترات. - المصدر: مصدر حضر الاجتماع. بالنسبة لمصر، تعكس هذه التوترات القبلية أحد مصادر القلق السائدة بشأن تجارة الذهب. «المخاوف تتمثل في أن تتحول هذه المجموعات [من السودانيين الناشطين في تعدين الذهب] إلى كيانات مسلحة، لتشكل قوة ميدانية تحتكر السيطرة على المنطقة الحدودية وبالتالي تخلق مشاكل أمنية كبيرة نحن في غنى عنها، خاصة أن الوضع على المنطقة الحدودية يشهد بين الحين والآخر اشتباكات ونزاعات قبلية مسلحة بسبب محاولات السيطرة على بعض المناطق الجبلية واحتكار عمليات البحث والتنقيب عن الذهب فيها»، يقول المسؤول المصري الأول. ويضيف المسؤول أن السماح للأمور بالاستمرار على حالها قد يطور الوضع ويتيح لتلك المجموعات بناء شبكات من التحالفات الأمنية والاجتماعية والسياسية والتواصل مع مجموعات أخرى من خارج الحدود، الأمر الذي من شأنه تعقيد الأوضاع في شرق السودان، البعيد إلى حد كبير عن الاقتتال في حربها، كما في جنوب شرقي مصر. ولهذا السبب، يرى المصدر أن اتباع نهج حاسم كان «ضروريًا». وفي حين وضع المسؤول المصري علامات استفهام بخصوص ما اعتبره ضعفًا في ضبط الحدود من جانب الحكومة السودانية، يقول مصدر عسكري سوداني لـ«مدى مصر» إن السلطات السودانية توجه بصورة مستمرة تحذيرات إلى المنقّبين من تجاوز الحدود، مؤكدًا أن مثل هذه التحركات تؤدي مرارًا إلى «أحداث مؤسفة» من النوع الذي شهدته المنطقة الأسبوع الماضي. البرهان مخاطبًا الإعلام بعد جلسة الوساطة في منطقة رتج السودانية. في حديثه من رتج عقب جلسة الوساطة، الإثنين الماضي، تعهد البرهان بتدخل أكبر من جانب الدولة للحد من وجود الأسلحة والابتزاز. كما دعا أهالي المنطقة إلى «الالتزام بالحدود». «جارتنا الشمالية دي، […] برضو نحن بنقدر الناس ونحترمهم. بنطلب إن الناس ما يتعدوا الحدود، ما يمشوا بغادي، عشان ما يجيبوا مشاكل لرقبتهم ولا يجيبوا مشاكل للدولة. سامعين إن فيه ناس قطعوا وضربوهم، وضربوا وما ضربوا.. نحن كدولة وكحكومة بنطلب من إخواننا ومن أهلنا أنه الناس تلتزم بالحدود.. مافي زول يقطع بغادي»، قال البرهان في خطابه للحاضرين. يفيد المصدر العسكري السوداني بأن الدولة السودانية تجري حاليًا تحقيقات بشأن العملية المصرية، مضيفًا أن لجنة أمن ولاية البحر الأحمر ومجلس الأمن والدفاع ووزارة الخارجية السودانية ستقدم تقاريرها للجهات العليا، على أن يعقب ذلك إصدار بيان رسمي. *** مع ذلك، فإن حجم العملية العسكرية التي نُفذت الأسبوع الماضي تجاوز بكثير نطاق الحملات الأمنية المعتادة التي شهدتها المنطقة الحدودية في السابق، سواء تلك المرتبطة بتعزيز نفاذ الدولة أو بفرض ترتيبات أمنية جديدة. بالنسبة للمسؤولين المصريين اللذين تحدثا إلى «مدى مصر»، جاءت الحملة في وقت بدأت فيه القاهرة تبدي شكوكًا إزاء نية السودان فيما يتعلق بمثلث حلايب المتنازع عليه. خلال سنوات الحرب في السودان، سعت مصر إلى انتزاع تنازل سوداني بشأن المثلث مقابل تقديم دعم عسكري، بحسب ما أفاد به مسؤولون مصريون عدة لـ«مدى مصر» في السابق. في أعقاب سقوط الفاشر في أكتوبر من العام الماضي بيد قوات الدعم السريع، قال مصدر في مجلس السيادة الانتقالي، السلطة التنفيذية التي تحكم السودان منذ 2019، لـ«مدى مصر» إنه في حال لم تتدخل مصر لتقديم دعم عسكري كامل للجيش السوداني، كان ذلك سيدفع المؤسسة العسكرية في الخرطوم إلى اتخاذ «خطوات جذرية». إحدى هذه الخطوات، بحسب المصدر، كانت لتشهد تحرك السودان لإتمام ترسيم الحدود البحرية في البحر الأحمر مع السعودية بما يتيح الحصول على دعم سعودي أكبر، وهو ما يستدعي، بحسب المفاوضات الجارية، تأكيد سيادة السودان على مثلث حلايب. وأضاف المصدر أن «أي خطوة أحادية من الخرطوم في اتجاه طلب السلاح أو محاولة الحصول على السلاح ستضر بالعلاقات السودانية-المصرية»، ومن شأنه إرباك الحسابات المصرية في البحر الأحمر. في نهاية المطاف، رفعت مصر مستوى دعمها للجيش السوداني عبر إتاحة استخدام قواعد جوية في جنوبي مصر من قبل تركيا. غير أن هذا الدعم جاء في إطار رغبة مصر وتركيا المشتركة في تثبيت الوضع ضمن مناطق نفوذ مستقرة، تمهيدًا للتوصل إلى تسوية سياسية أوسع. لكن هذه التسوية لا تزال صعبة المنال. واليوم، تتزايد مخاوف القاهرة من التقارب المتنامي بين السودان والسعودية المتزامن مع استمرار اتساع رقعة الحرب السودانية وتصاعد حدتها. «هذا الأمر يعطي عملية الأسبوع الماضي بعدًا إقليميًا، خاصة إن كان الحديث يجري عن عمليات تحالف وتنسيق جديدة قد تشهدها المنطقة في الفترة المقبلة بسبب التطورات في الشرق الأوسط»، يقول المسؤول المصري الثاني، مضيفًا أن «[عملية الأسبوع الماضي] تحمل رسائل واضحة للإقليم وللداخل السوداني مفادها أن مصر لن تتنازل عن سيادتها على مثلث حلايب وشلاتين». *** منذ أحداث الأسبوع الماضي، انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور الغارات الجوية التي استهدفت المنجم، ما أثار موجة انتقادات حادة ضد مصر من جانب معلقين سودانيين. أقرّ اثنان من المسؤولين الحكوميين المصريين بحجم هذه الانتقادات، غير أنهما اعتبراها «بروبجندا قوات الدعم السريع». أحد المسؤولين قال إنه «إذا انتهك الناس حدودك، فعليهم أن يتوقعوا أنك لن تقف مكتوف الأيدي. وفي نهاية المطاف، فإن مثل هذه المواجهات تخلّف خسائر بشرية». مهما تكن التبعات المحتملة لعملية الأسبوع الماضي، فإن غياب حل أمني دائم في المنطقة، وعدم وجود تسوية للحرب في السودان، واستمرار انعدام الفرص الاقتصادية أمام آلاف الوافدين إلى صحارى وجبال السودان ومصر، تجعل ما وصفته جميع المصادر بأنه ظاهرة متكررة ذات «خسائر متوقعة» مرشحة لأن يحدث مرة أخرى. *اسم مستعارThe post ما وراء العمليات العسكرية في صحراء مصر الشرقية first appeared on Mada Masr.