ماكتوميناي.. المحارب الذي أيقظ الشمال الأسكتلندي
في أسكتلندا، لا تبحث الجماهير كثيرًا عن اللاعب الأنيق بقدر ما تبحث عن اللاعب الذي يشبهها؛ لاعب يعرف معنى الالتحام، ويقاتل على كل كرة، ويحمل في ملامحه شيئًا من قسوة المدرجات الباردة والليالي الطويلة، ولهذا، بدا سكوت ماكتوميناي أقرب إلى صورة قديمة أعادتها الكرة الاسكتلندية للحياة، لا مجرد لاعب وسط حديث خرج من أكاديمية مانشستر يونايتد. لم يأتِ ماكتوميناي إلى الواجهة بوصفه الموهبة الأكثر ضجيجًا في جيله، بل بوصفه لاعبًا صعد ببطء، وتحمّل سنوات طويلة في الظل قبل أن يفرض نفسه، ففي مانشستر يونايتد، عاش كثيرًا بين الأدوار الثانوية وتبدّل المدربين والانتقادات، حتى بدا أحيانًا لاعبًا يؤدي ما يُطلب منه فقط، لكن مع المنتخب الاسكتلندي، ظهرت نسخة أخرى منه؛ أكثر جرأة، وأكثر حضورًا، وأكثر ارتباطًا بروح البلاد نفسها. نشأ ماكتوميناي داخل ثقافة كروية تعرف قيمة القتال قبل كل شيء، وربما لهذا تحوّل سريعًا إلى أحد أكثر اللاعبين قربًا من الجماهير، لا يلعب كمن يبحث عن اللقطة الجميلة، بل كمن يرى المباراة معركة يجب ألا يخسرها، يضغط، يركض، يفتك الكرة، ثم يظهر فجأة داخل منطقة الجزاء ليسجل هدفًا حاسمًا، وكأن كل تفاصيل لعبه مبنية على فكرة واحدة: ألا يهدأ أبدًا. ومع المنتخب الاسكتلندي، جاءت أهميته في توقيت حساس، فاسكتلندا التي عاشت سنوات طويلة بعيدًا عن البطولات الكبرى، كانت تبحث عن جيل يعيد إليها الإحساس القديم؛ الإحساس بأن المنتخب يستطيع أن ينافس لا أن يشارك فقط، ومن هنا، صار ماكتوميناي أحد أعمدة هذا التحول، لاعبًا يختصر شخصية الفريق أكثر مما يختصر مركزه داخل الملعب. في تصفيات يورو 2024، لعب دور البطولة بصورة واضحة، بعدما سجّل أهدافًا حاسمة قادت اسكتلندا إلى التأهل المبكر، حتى إنه أنهى التصفيات ضمن أبرز هدافيها، وهو أمر لم يكن متوقعًا من لاعب وسط اعتاد الناس النظر إليه بوصفه عنصرًا دفاعيًا أكثر منه هدافًا، لكن تلك المرحلة كشفت جانبًا آخر في شخصيته؛ لاعب يظهر حين يحتاجه المنتخب، ويمنح الجماهير شعورًا بأن الفريق يملك أخيرًا رجال لحظاته الصعبة. ورغم أن اسكتلندا لا تُصنف ضمن القوى الكبرى عالميًا، فإن وجود لاعب مثل ماكتوميناي يمنحها شيئًا مهمًا؛ الهوية، فالمنتخبات الصغيرة أو المتوسطة تحتاج دائمًا إلى لاعب يشكل صورتها الذهنية، وماكتوميناي يفعل ذلك تمامًا، حين تراه، ترى الصلابة، والعناد، والاندفاع، وكل الصفات التي ارتبطت طويلًا بالكرة الاسكتلندية. ومع اقتراب كأس العالم 2026، تبدو اسكتلندا أمام فرصة لإعادة نفسها إلى المونديال بعد غياب طويل منذ 1998، الطريق ليس سهلًا، لكن المنتخب يملك جيلًا أكثر نضجًا مما كان عليه في السنوات السابقة، ويملك جماهير ما زالت تتعامل مع كرة القدم بوصفها جزءًا من الهوية الوطنية، وفي قلب هذا المشروع، يقف ماكتوميناي لاعبًا لا يحمل موهبة استثنائية بالمعنى التقليدي، لكنه يحمل شيئًا قد يكون أهم أحيانًا: الشخصية. ما يميز قصته أيضًا أنه لم يأتِ من صورة النجم الجاهز، بل من لاعب اضطر إلى إثبات نفسه في كل مرحلة، حتى صار اليوم أحد أكثر الأسماء تأثيرًا في المنتخب، وربما لهذا تحبه الجماهير الاسكتلندية؛ لأنه يبدو كواحد منها، لا كنجم بعيد عن تفاصيلها. ولهذا، فإن حكاية سكوت ماكتوميناي ليست قصة لاعب وسط يسجل بعض الأهداف، بل قصة محارب أعاد لاسكتلندا صوتها القديم، ذلك الصوت الذي كان يضيع لسنوات طويلة وسط الغياب والإخفاقات، قبل أن يعود من جديد عبر لاعب يعرف جيدًا كيف يحوّل الركض والقتال إلى لغة وطن كامل.