مار بطرس و بولس، و حِوَاراتُ مارك

يقول الأب بيتر مدروس: "يبدو أن لفظة "لغة" نفسها دخيلةٌ على العربيّةِ؛ إذ إنّ أصلها يونانيّ: "لوغوس" أي الكلمة والمنطق. أمّا اللفظة العربيّة فهي "لسان"، وهي تشير، مثل اليونانيّة "غلوسّا" واللّاتينيّة "لينغوا" والإنكليزيّة "تَنغ" إلى عضو النطق في الفم، و إلى الكلام معاً... و ليست اللغة عند النّاس إلّا وسيلةٌ للتعبير، فتكون رفيعةً؛ إذا عبّرت عن أفكارٍ ومشاعرَ رفيعةٍ، كما قال السيّد المسيح: "من فيض القلب يتكلّم اللّسان"، و العكس صحيح."كلمة بتحنِّن، و كلمة بتجَنِّن"، قولٌ مأثورٌ في "الدّارج"، يسطَعُ نجمه عندما يتدخّل لبنانيٌّ مُحَايد، لتخفيف حدّة نقاشٍ احتدم، بسبب مشكل عَرَضيٍّ، أو بسبب تصريحٍ سياسيٍّ، و ما يحمله من ردودٍ، و ردودٍ مضادّة... وعلى رغم بساطة لغتها، عادةً ما تكون هذه الأقوال الشّعبيّة، منطقيّةً و صائبةً في معانيها؛ والسّبب أنّها لا تبغي إبهار السّامع بكلماتٍ و قواعد لغويّةٍ منمّقةٍ، تُضيّعُ الجوهر. إنّما تريد تخفيف الإحتقان، و إيصالَ المُبتغى المبنيّ على المحبّة، و التواضع، و تغليب المصلحة العامّة، على المصلحة الشّخصيّة.أمّا اليوم، فقد وصل منسوبُ الإحتقانِ النّاتج من لغة الحوارات الإفتراضيّة، إلى مستوياتٍ مرتفعةٍ؛ بحيث أصبحت اللغاتُ المتعدّدةُ، تتداخل بعضها مع بعض، في تصريحٍ علنيٍّ واحد نشرُهُ بمتناول الجميع؛ و هو ليس بحاجةٍ إلّا إلى كبسة زرّ، وموافقة "مارك"، فيصبحُ نافذَ المفعول، بانتظارِ تداعياته، والردود عليه: إيجاباً أو سلباً. و الإيجابية هي المطلوبة في الوضع الضّاغط الحاليّ، كي تتحوّل الحوارات، والتباينات في وجهات النّظّر، إلى نقاشاتٍ بنّاءةٍ، هدفها المصلحة العامّة، وبُنيان المجتمع، و الوطن.فبَين بطرس الأوّل في الرّسل، و صاحب الرّئاسة المُعطاةِ له مباشرةً من المعلّم الإلهيّ: "أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هَذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت 16: 18).و بولسُ، رسولُ الأممِ الذي لم ينقص عن الرّسل بشيءٍ (كورنثوس الثانية 12: 11)، رسالةُ وِحدةٍ، تتظهّر فيها قوّة لغة المحبّة، و التواضع، و التبايُنات!هذان الرّسولان الكبيران، اللذان تحتفل بعيدهما "الجَامِع"، في التّاسع و العشرين من حزيران، غالبية الكنائس. هو عيدٌ أرادته الكنيسة تعبيراً عن الشراكة، و الوحدة بين المؤمنين، و تأكيداً أنّ جميع الناس، على اختلاف أعراقِهِم، متساوون أمام الله، وأنّه، حيث تسود المحبّة، يُصبح الإختلاف في وُجهات النّظر مصدراً للغِنى، والقوّة وليس للخلاف والإنقسام.هذان الرّسولان اللذان عاشا في زمن المسيحيّة الأوّل، حيث كان همّ الجماعة الأوحد إعلانُ البشارةِ لأكبر عددٍ من النّاس، عملاً بوصيّة المعلّم: "فَاذْهَبُوا، وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ، وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُس (مت 28: 19). و مثلُ معظم الجماعات تقريباً، واجها التباين في وجهات النّظر، و الإختلاف في الآراء. فكانت وُجهة نظرٍ أولى يرأسُها يعقوب، مال إليها بطرس، وارتأت تركيز البشارة على شعب الله المختار أوّلًا. وكانت وُجهة نظر بولس، الذي أراد أن يُعلن البشارة للأمم على اختلاف انتماءاتهم. فظهر الإختلاف بينهما، وكان العتب، والجفاء؛ لكن المحبّة، والتركيز على الهدف الأوحد، انتصرا دائماً، و تحوّل التباين في لغة الحوار إلى مصدر غنى و قوّة، فَوَصَلت الكنيسة إلى حيث هي اليوم.اليوم، و في هذا الوضع المحليّ و العالميّ، المأزوم إقتصاديّاً، والهشّ أمنيّاً؛ كم الوطن، بأمسّ الحاجة إلى مُقاربات بطرسيّة - بولُسيّة للمشاكل التي تعترض سبيله. فالتقارير الإحصائيّة "مُخيفةٌ"، عن سلبيّة التداعيات الإقتصاديّة، على القطاعات المُختلفة: الصّناعيّة، و التّعليميّة، و السّياحيّة، و قطاع البناء... فالخسائر المُباشرة، وغير المُباشرة التي تتكبّدُها هذه القطاعات، بحاجة إلى حلول جذريّة، مبنيّةٍ على لغةِ حوارٍ وطنيّةٍ، بحيث تتحوّلُ التبايُنات الشّخصيّة في وُجهات النّظر، وقوداً لمحرّكات الوطن.بين "التّصريحات"، و "التّصريحات" المضادّة، الوضع هَاديء على "تصريح و كلمة".اللهمّ: قلّة تصريحات. و تدخُّلٌ من "مارك" لضبط بعض الحسابات على وسائل التّواصل الإجتماعي. لغةُ حوارٍ هادئة، فصيفٌ هانئٌ، و مزدهر.اليومَ، في عيد القدّيسين بطرس و بولس، نضرع إلى الله، كي تصبح التبايُنات في وُجُهات النّظرعندنا وقوداً لهدفيّ الوطن الأوحد: السّلام، و الإزدهار.