يعيش قسم كبير من أوروبا، السبت، يوماً إضافياً من الحر الشديد الممتد من فرنسا إلى بولندا، مروراً بالساحل الأدرياتيكي الكرواتي، تشهد معه بعض البلدان ليال استوائية، وسط توقعات بتخطي درجات الحرارة حاجز الـ35 درجة مئوية لما لا يقل عن 193 مليون نسمة؛ ما يُشكل ضغطاً كبيراً على الأنظمة الصحية.ومع انتقال موجة القيظ إلى شمال شرقي القارة، أُعلنت حالة التأهب القصوى في فرنسا، وسويسرا، وألمانيا، والنمسا، والمجر.وسيواجه حوالي 193 مليون نسمة في أوروبا ــ بينهم 75 مليوناً في ألمانيا ــ حرارة تفوق 35 درجة مئوية خلال نهار السبت، وهو ما يتخطى مستويات الحر المسجلة، أمس الجمعة.ويلجأ الأوروبيون إلى كل الوسائل الممكنة لتفادي الحر الشديد، فيحتمون بالكنائس، أو ينامون في أقبية منازلهم، أو يبللون أنفسهم في النوافير، حتى إن الفرنسية ناتالي قالت إنها تعمد إلى قضاء «بضع ساعات في بيكار»، وهي سلسلة المتاجر الفرنسية المتخصصة في بيع المنتجات المجلّدة.وفي ألمانيا، قال خبراء الأرصاد الجوية: «من غير المستبعد حتى أن تصل الحرارة إلى 42 درجة محلياً»، وسجلت مدينة ساربروكن قرابة الساعة 17:00 الجمعة 41.3 درجة، وهي أعلى حرارة تشهدها ألمانيا على الإطلاق.أما في العاصمة السلوفاكية براتيسلافا، فلم تنخفض الحرارة عن 26.3 درجة ليل الجمعة/السبت، وأورد معهد الأرصاد الجوية السلوفاكي أن «المستوى القياسي السابق كان 24.8 درجة في 4 أغسطس/ آب 2017»، متوقعاً أن تصل الحرارة إلى ذروتها عند 39 درجة، السبت.وتسببت موجة الحر في إلغاء مهرجان «سوليدايز» للموسيقى الذي كان من المقرر تنظيمه في العاصمة الفرنسية حتى، الأحد. وفي ألمانيا، ألغت مدينة هامبورغ سباق نصف الماراثون. ومع إلغاء «سوليدايز»، ستُحرم جمعية «سوليداريتيه سيدا» المنظِّمة للمهرجان من ثلاثة ملايين يورو كانت ستستخدمها لتمويل برامج لمكافحة الإيدز.ارتفاع نداءات الطوارئشكلت هذه الظاهرة المناخية، مع ما يواكبها من تلوث، ضغطاً شديداً على الأنظمة الصحية في بلدان عدة. وفي المنطقة الباريسية، سجلت خدمات الطوارئ ارتفاعاً هائلاً في الاتصالات الواردة بنسبة بلغت 80% هذا الأسبوع.وقال مساعد رئيس بلدية باريس المكلف بالشؤون الصحية، أنطوان أليبير، السبت، إن المستشفيات الباريسية تشهد «حالة اكتظاظ استثنائية» غير مسبوقة، مؤكداً: «إننا في وسط أزمة صحية؛ إنها ظاهرة قيظ استثنائية وقصوى»، تفاقمت بسبب «ذروة من التلوث بالأوزون».وحذر رئيس قسم الطوارئ في مستشفى «جورج بومبيدو» ــ أحد المستشفيات الرئيسية في باريس ــ من أن الوضع «خطر للغاية»، واصفاً «أروقة مكتظة» بالمرضى الذين «معظمهم مسنون، إنما بينهم أيضاً من هم في الخمسين والستين من العمر»، يعانون «ارتفاعاً حاداً جداً في حرارة الجسم».من جانبها، أعربت وزارة الصحة الفرنسية عن قلقها من تسجيل «وفيات في المنازل». وأوضح روبان لاغاريغ وماتيلد باسكال من وكالة الصحة العامة الفرنسية، أن «بضع درجات إضافية تترجم إلى زيادة قوية جداً في مخاطر الوفاة»، وأشارا إلى أن لموجات الحر «مفاعيل متعاقبة» على معدل الوفيات.وأفادت السلطات الإسبانية بتسجيل أكثر من 200 حالة وفاة، كما سُجلت وفيات في باقي أوروبا، طالت مسنين ومرضى مصابين بأمراض مزمنة، وأطفالاً ومراهقين، إضافة إلى مشردين في الشوارع. وتتسبب الحرارة بالوفاة بعدة طرق؛ كالغرق، وارتفاع حرارة الجسم، والنوبات القلبية وغيرها.«ليالٍ استوائية» في رومانيااعتبرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، الجمعة، أنه «من المحتمل» أن تكون موجة الحر الحالية ظاهرة غير مسبوقة من حيث حجمها، وإن كان من السابق لأوانه تأكيد ذلك. وتُعد موجات الحر المتكررة مؤشراً لا لبس فيه على التغير المناخي، الناجم بشكل أساسي عن استخدام البشر لمصادر الطاقة الأحفورية.ولموجات الحر هذه تبعات كثيرة؛ منها إيقاف محطات الطاقة النووية ــ كما في بيزناو بسويسرا ــ وارتفاع حرارة البحيرات الساحلية الضحلة في دلتا بو بشمال شرقي إيطاليا، وتسارع ذوبان نهر الرون الجليدي في سويسرا وغيرها.لكن الموجة بدأت بالانحسار تدريجياً في فرنسا؛ حيث يُتوقع رفع حالة التأهب القصوى مساء الأحد مع تدفق «هواء أكثر برودة» من الغرب والشمال الغربي. كما ستشهد ألمانيا، بحسب التوقعات، «استراحة» اعتباراً من الاثنين مع تدني الحرارة عن حاجز الـ40 درجة.وفي شرق القارة، تستعد رومانيا لإعلان الإنذار الأحمر اعتباراً من الاثنين على كافة أراضيها تقريباً؛ إذ تتوقع الأرصاد الجوية الوطنية «درجات حرارة قصوى» و«ليالٍ استوائية» تستمر حتى الأول من يوليو/تموز المقبل. وتعتزم مولدافيا المجاورة حظر حركة السير للآليات التي تزيد على 12 طناً بين 28 يونيو/ حزيران والأول من يوليو/تموز.