منذ نحو نصف قرن، ولبنان يبحث عن الاستقرار ولا يجده، منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، وحتى اليوم، وهو يعاني الانقسام الداخلي والاستهداف الخارجي، حالة من التيه بين الحرب والسلام عجزت عن وضع نهاية لها، بل إنها تتعمق، وتزيد الدولة ضياعاً، والجيران طمعاً وشراسة، والمواطن تشتتاً، وملوك الطوائف فساداً وإفساداً، وإلقاء بالوطن في قلب صراعات الآخرين، ومعارك الإقليم، وكأن قدر لبنان أن يدفع فواتير غيره، وقدر المواطن اللبناني أن يعاني بسبب جموح بعض أهله.لبنان الرسمي اليوم يسعى إلى سلام لا يجد سواه سبيلاً لوقف إسرائيل عن استهداف شعبه، وأرضه، وجسوره، وطرقه، وقراه، ومدنه، وليس سواه سبيلاً لاستعادة 602 كيلو متر تمثل 5% من مساحته، والانسحاب من 68 قرية جنوب الليطاني فجّرت منازلها، وقتلت ما استطاعت من أهلها، وشرّدت مئات الآلاف، ولبنان الأحزاب والطوائف منقسم بين من ينشدون السلام ويحلمون بالاستقرار، وبين من يريدون الحرب، ولا يفوّتون فرصة إلا ويقحمون أنفسهم فيها، ولا تشغلهم العواقب التي دائماً ما تكون كارثية على الوطن والشعب.الأوطان لا تتجزأ، ولكن قدر لبنان أنه دولة معطّلة، منقوصة الصلاحيات، مؤجلة الاكتمال منذ الحرب الأهلية، التي أفرزت ديمقراطية محاصصة لا تصلح نمطاً للحكم، وأكدت أن الانتماء عندما يكون لطائفة، أو حزب، أو ميليشيات، أو زعيم، وليس للوطن، فإنه الوسيلة لإضعاف الدولة، وتهديد وجودها، ليس من الطامعين والمتربصين والأعداء في الخارج، ولكن أيضاً من الداخل.عندما يريد اللبنانيون خداع أنفسهم يروّجون أن التنوع في بلدهم الذي يضم 18 طائفة هو سرّ فرادته وتميّزه، وكأنهم لا يدركون سرّ ضعفه وهشاشته، . يختلفون في أوقات السلم وفي أوقات الحرب، يختلفون حول الماضي والحاضر والمستقبل، سياسيوهم وقادة الرأي والكلمة فيه يتنابذون سراً في المجالس، وعلانية على أوراق الصحف، وشاشات التلفاز، ومواقع التواصل، القرار لديهم يستغرق أشهراً، وربما سنوات، تتساوى في ذلك قرارات الترشيحات، والانتخابات، والتوافق على رئيس الجمهورية، أو رئيس الحكومة، ثم على تشكيل الحكومة، والتعيينات الأمنية والعسكرية، وبعد التوافق على ذلك، يبدأ الاختلاف حول برنامج الحكومة، والتنابذ قبل، وبعد اتخاذها أيّ قرار.لبنان الحاضر في كل الحروب الغائب في كل التحالفات، الواقف وحيداً في مواجهة الطامعين، عاش حرباً أهلية امتدت عقداً ونصف العقد، بفضل دعم جهات أجنبية لفرقاء الداخل، حرب تركت جراحاً في نفس كل لبناني عاش فصولها المأساوية، تم خلالها تقسيم مناطق النفوذ، واقتتال شركاء الوطن، والقتل على الهوية، وحسب الطائفة والديانة، وبعد الحرب اتفق أمراؤها على اقتسام السلطة والقرار على أساس طائفي، وليس على أساس وطني، لتتوالى الانقسامات والصراعات بأشكال مختلفة، منذ ما بعد الطائف وحتى اليوم، والنتيجة احتلال إسرائيل أجزاء من أراضيه، ومواصلة تدميره، رافضة، كعادتها، الانصياع للإرادة الدولية، أو اتفاقيات وقف النار.«حزب الله» خلق لنفسه حالة من الاستقواء على الشركاء، والاستفزاز للأشقاء الرافضين علانية تسليحه، والمؤيدين لاستعادة الدولة قرارها وسيادتها على كل ربوع الوطن.لبنان يتفاوض اليوم مع إسرائيل برعاية أمريكية على سلام مقبول رسمياً، ومرفوض من الحزب، سلام لو تحقق سيكون منقوصاً هشاً بفضل المخططات الإسرائيلية، ونيات الحزب المعلنة أمام العالم، والمتحدية لإرادة الرئيس، ورئيس الحكومة، والقطاع الأكبر من الشعب.والسلام عندما تسعى إليه دولة منقوصة الصلاحيات أمام أخرى تتفاوض معها بقوة السلاح لتفرض فيه إرادتها أمام إرادة من لا يريد من ورائه سوى استعادة أرضه المحتلة، لابد أن يكون سلام الرضوخ والاستقواء، وكي يكون السلام متكافئاً ينبغي أن يتم التفاوض عليه ولبنان يمتلك قراره، وإسرائيل تحترم سيادته، و«حزب الله» يسلم سلاحه طوعاً، وبلا إراقة دماء، وإيران تبارك ذلك، وبالتالي، فإن لبنان سيظل تائهاً بين الحرب والسلام حتى يتوحد الشعب، ويتجاوز الطائفية المقيتة، وتستعيد الدولة قرارها، ويؤمن صنّاع القرار الدولي بأن الشعب اللبناني العاشق للحياة يستحق حياة مستقرة آمنة مطمئنة.mahmoudhassouna2020@gmail.com
ADVERTISEMENT
مقالات ذات صلة
ADVERTISEMENT
