في كل مرة ومع نهاية الموسم الرياضي حين يخسر فيها الهلال بطولة من بطولات الموسم، يخرج البعض معتقدًا أن القصة انتهت… لكن الذين يعرفون هذا الكيان جيدًا، يدركون أن الهلال لا يُقاس بالمواسم العابرة، يقاس بطريقة نهوضه بعد كل عثرة، ما حدث هذا الموسم لم يكن مجرد خسارة دوري أو ضياع بطولة آسيوية جديدة، كان لحظة مكاشفة قاسية بين الهلال ونفسه… وبين الجماهير والحقيقة.! الحقيقة التي حاول كثيرون الهروب منها طويلًا: أن الهلال لم يخسر لأنه “أضعف” من الآخرين، خسر لأنه للمرة الأولى بدا كفريق لا يعرف نفسه تمامًا. كان الهلال عبر تاريخه يدخل أي موسم وهو يملك شيئًا لا يُشترى: الوضوح.. وضوح الشخصية، وضوح القرار، وضوح الهيبة، حتى حين تتغير الأسماء، يبقى الهلال كما هو… كأن هناك روحًا ثابتة تسكن القميص الأزرق، لكن ما جرى مؤخرًا جعل الجماهير تشعر أن هذا الثبات بدأ يهتز، فريق يبدأ قويًا، يُبهر العالم في بطولة كبرى، ثم يتراجع فجأة بلا تفسير مقنع، مدرب تتغير ملامحه من مباراة لأخرى، إدارة تبدو أحيانًا وكأنها تتحرك تحت ضغوط أكثر من تحركها وفق مشروع واضح، قرارات تُفهم جماهيريًا باعتبارها تنازلات مؤلمة عن شخصية النادي التي طالما صنعت الفارق، والأصعب من كل ذلك أن الهلالي لم يعد يشعر أن كل شيء بيد الهلال. وهنا تحديدًا يبدأ الخوف الحقيقي، لأن جمهور الهلال لا يغضب من الخسارة بقدر غضبه من الشعور بالعجز.. الهلالي تعود أن يرى فريقه يقاتل حتى النهاية، حتى لو سقط، أما أن يشعر أن فريقه يُدار بردات فعل، أو يُطلب منه التراجع قليلًا ليتسع المشهد للجميع، فهذه فكرة لا تشبه الهلال أصلًا. نحن اليوم نعيش مشروعًا رياضيًا سعوديًا ضخمًا يستحق الاحترام، مشروع فتح أبواب العالم، وجلب الاستثمارات، وصنع حراكًا غير مسبوق، لكن المشاريع الكبرى لا يكون التعامل معه بعقلية “التوازن الإجباري”، فهذا خطأ استراتيجي قبل أن يكون ظلمًا رياضيًا، والمشكلة الأكبر اليوم أن بعض الخطاب الرياضي بات يتعامل مع البطولات وكأنها “حق جماهيري يجب توزيعه” حتى يرضى الجميع، فنحن لن تنجح بإضعاف الرموز التاريخية وهذا ما يحدث للهلال مؤخرًا.. منذ جاء الصندوق للهلال والهلال لم يتطور عنا قبل.. بل فقد كثيرًا من ابداع وامتاعه، البطولات لا تُوزع كجوائز ترضية، ولا تُمنح لأن جمهور نادٍ ما “يستحق الفرح”. الرياضة الحقيقية لا تعترف إلا بالعمل، والإدارة، والاستقرار، والقدرة على صناعة فريق يفرض نفسه داخل الملعب، كلنا نحب أن نرى المنافسة مشتعلة، وأن تتعدد الأبطال، لكن ليس عبر صناعة توازن مصطنع، أو حماية فرق بعينها، أو تهيئة الظروف لها حتى تنتصر، لأن البطولات التي تأتي بالمجاملة لا تصنع تاريخًا، هي تصنع ضجيجًا مؤقتًا فقط.. ولهذا آن الأوان أن تُفك الوصاية عن الأندية بالكامل، لا شراكات ضبابية، ولا تدخلات غير مفهومة، ولا إدارة مشهد بطريقة تجعل الجميع يشك أن هناك من يُدار ومن يُترك ليواجه مصيره وحده، اتركوا الميدان يحكم، “الميدان يا حميدان”. ومن يعمل أكثر ينتصر، ومن يبني مشروعًا أفضل يستحق المجد، أما هندسة المنافسة خلف الكواليس فلن تصنع دوريًا عظيمًا، بل ستصنع شكوكًا وغضبًا وفقدان ثقة. وكذلك من القضايا التي باتت تستحق الحسم أيضًا، قضية اللاعبين الأجانب الكبار، فبعض الأندية اليوم تبدو وكأنها تخشى إغضاب اللاعب أكثر من خوفها على الفريق نفسه، نجوم بأسماء ضخمة ورواتب هائلة، لكن تأثيرهم داخل الملعب محدود، وبعضهم أصبح عبئًا فنيًا ونفسيًا على فرقهم، ومع ذلك يستمر التعامل معهم باعتبارهم “فوق النقد”. النادي أكبر من أي لاعب، وأي محترف أجنبي لا يصنع الفارق الحقيقي، يجب أن يُحاسب مثل غيره، مهما كان اسمه أو تاريخه أو عدد متابعيه. كرة القدم لا تُدار بالعلاقات العامة، تدار بالعطاء والعرق والمستحيل، الحل الأبسط والأعدل اليوم: أن يصبح التعاقد وفق الكفاءة المالية والقدرة الإدارية فقط، دون تعقيدات تُربك المشهد أو تفتح أبوابًا لا تنتهي من الاعتراضات، دعو السوق يعمل بوضوح، دعو كل نادٍ يتحمل قراراته، دعو النجاح يُبنى على الجودة لا على الاستثناءات. فالأندية الكبيرة لا تُصنع بالأموال وحدها، ولو كان المال وحده يكفي، لامتلأ التاريخ بفرق عظيمة اختفت بعد سنوات قليلة لأنها لم تمتلك “ثقافة الانتصار”، والهلال يملك هذه الثقافة. لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بشجاعة: الهلال نفسه أخطأ أيضًا، أخطأ حين ظن أن تاريخه يكفي وحده، أخطأ حين تأخر في حماية استقراره الفني، أخطأ حين سمح لبعض القرارات أن تُتخذ بلا روح الهلال المعتادة، وأخطأ أكثر حين فقد جزءًا من جوعه الذي كان يرعب الجميع، الهلال الحقيقي لم يكن فريق نجوم فقط، بل فريق عقلية، عقلية لا تشبع، عقلية ترى كل بطولة بداية لا نهاية، عقلية تجعل اللاعب يشعر أن التعادل أزمة، وأن المركز الثاني هزيمة معنوية، وأن القميص الأزرق لا يحتمل البرود ولا المجاملة، ولهذا فإن الطريق اليوم لا يبدأ بصفقة جديدة، ولا بمدرب جديد فقط، يبدأ بعودة الهلال إلى نفسه، عودة الشخصية التي كانت تجعل المنافس يشعر بالرهبة قبل البداية، عودة الإدارة التي تعرف كيف تحمي النادي لا كيف تبرر له، عودة اللاعب الذي يفهم أن الهلال ليس محطة شهرة، بل مسؤولية تاريخية، وعودة الجمهور إلى إيمانه الحقيقي: أن الهلال لا يُبنى بالموسم الواحد، ولا يسقط بالموسم الواحد. ما حدث يجب ألا يُنسى، لكن يجب أيضًا ألا يتحول إلى بكائية دائمة، الكبار لا يعيشون على فكرة المظلومية، يعيشون على فكرة الاستعادة. ولهذا سيعود الهلال، ليس لأن أحدًا سيمنحه الطريق، ولكن لأن الهلال عبر تاريخه لم يعرف طريقًا إلا ذلك الذي يصنعه بنفسه، وسيظل السؤال الذي يخيف الجميع دائمًا: ماذا لو عاد الهلال فعلًا؟. خالد الباتلي