بعد اختتام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارته التاريخية إلى بكين، مازال نظيره الصيني شي جين بينغ يستقطب الاهتمام وسيستقبل بعد يومين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ومن النوادر أن تتعاقب لقاءات زعماء أعظم ثلاث دول في العالم، إلا لأمور مهمة تتجاوز العلاقات الثنائية أو الثلاثية لتتصل بالقضايا والأزمات التي يعرفها العالم في الظرف الراهن.استقطاب بكين لزعيمي أكبر قوتين عالميتين في أيام معدودة يعكس الوزن الجيوسياسي المتصاعد للصين كمركز ثقل في الدبلوماسية الدولية، ويحمل دلالات استراتيجية عميقة. كما يرسل إشارات إيجابية بأن هذه القوى العظمى قد جنحت إلى حل الخلافات بينها بالحوار والتواصل المباشر على مستوى القمة بين زعمائها، وهو ما قد يؤدي إلى انفراجات في أزمات كثيرة، من شأنها أن تمتص الاحتقان العالمي المتصاعد منذ الحرب بين روسيا وأوكرانيا وتفاقم مع الصراع الأمريكي الإيراني الذي ألقى بتداعيات مدمرة على النظام الدولي والاقتصاد العالمي.ويمكن أن يعكس التتابع الدبلوماسي الرفيع إلى بكين تحولاً عميقاً في إدارة الأزمات، وقد يساعد على إعادة هندسة النظام الدولي المتداعي، فالملفات الساخنة المطروحة على الطاولة للنقاش بين واشنطن وبكين وموسكو، ليست هينة، بل إنها كادت تقود العالم إلى متاهة من الحروب المدمرة والأزمات الاقتصادية الخانقة، مما يضع القادة الثلاثة أمام مسؤولية تاريخية لنزع فتيل الانفجار العالمي وإعادة ضبط إيقاع العلاقات الدولية والعودة إلى الالتزام بالمعاهدات والمواثيق والحفاظ على الاستقرار، الذي باتت شعوب الأرض بحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى.الأزمات في أوروبا الشرقية وبحر الصين الجنوبي والشرق الأوسط كادت أن تتحول إلى صدام نووي أو عسكري مباشر بين القوى العظمى، بالنظر إلى التهديدات الموثقة، التي صدرت في الأشهر والسنوات الماضية، من زعماء ومسؤولين. فقد حذر ترامب وبوتين وشي وزعماء آخرون، في مناسبات عدة، من خطر اندلاع حرب عالمية ثالثة، مع ما قد تحمله من تهديدات تنذر بإعادة صياغة الخريطة الجيوسياسية للعالم.بعد مغادرة ترامب بكين عائداً إلى بلاده، لم يصدر ما يؤكد نجاح الزيارة أو فشلها على السواء، ولكنها أرست، على ما يبدو، قواعد اشتباك دبلوماسية جديدة بين الطرفين، وسعت إلى حصر حل الخلافات الجوهرية والتباينات العميقة بين واشنطن وبكين في إطار سياسي بعيداً عن التصعيد أو الحروب التجارية.وقد تفك زيارة بوتين المرتقبة إلى بكين بعض الألغاز التي واكبت زيارة ترامب وتكشف عن ملامح الاستراتيجية العالمية الجديدة التي تتجه إلى إدارة التوازنات الكبرى، وهي إدارة من الممكن أن تستفيد من العلاقات الإيجابية القائمة بين ترامب وشي وبوتين، ورغبتهم المشتركة، ظاهرياً على الأقل، في البحث عن أطر جديدة للعلاقات، خصوصاً، أن الزعماء الثلاثة أكدوا مراراً أن العالم بات بحاجة إلى نظام دولي جديد، مازالت خطوطه العريضة محل خلاف، ولكن القناعة باتت راسخة الآن، وقد تفضي قمم بكين المتلاحقة إلى رسم ملامح نظام دولي جديد متعدد الأقطاب، تتداخل فيه المصالح الاقتصادية المعقدة مع التحالفات الأمنية الحذرة، وربما تكون النتيجة الآنيّة بداية لتبريد الأزمات الساخنة، ولقياس نبض العالم وإعادة ضبطه مجدداً على الاستقرار والتنمية والسلام، بدل الحروب والصراعات وانتهاك القانون الدولي.
ADVERTISEMENT
مقالات ذات صلة
ADVERTISEMENT
