قــوّةُ الصمــت
في عالمٍ يفيض بالكلام، ويكاد يختنق بضجيج الآراء، يغدو الصمت خيارًا استثنائيًا، ومهارةً تتحقق بوعيٍ عميقٍ بالنفس وبتأمل الكون من حولنا وإمعان النظر في المخلوقات الصامتة. فالصمت ليس غيابًا للكلام، هو حضورٌ من نوعٍ آخر؛ حضورٌ منصتٌ، وعقل متأمل وروح مترفعة عن الدنايا. يأخذنا القرآن الكريم إلى ذروة هذا المعنى في قول الله عز وجل في قصة مريم عليها السلام: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)، مريم: 26. الصوم هنا بمعنى الصمت، اتخاذ القرار بالترفع عن الكلام، فعل مقصود يتجاوز ردّة الفعل إلى تأسيس علاقة هادئة مع الذات، في سكونٍ كامل، مع حضور الآخر في المشهد دون تواصلٍ مباشر، في موقف يموج بالاتهام والدهشة، نجدها لا تدافع، لا تشرح، لا تبرر، وتُنفذ أمر المولى جل في علاه باستخدام وسيلة أخرى أكثر قوة في المواجهة، الصمت هنا ثقةٌ مطلقة بما سيظهر، هو تفويضٌ لله أن يتولّى البيان، وأن يكشف الحقيقة في وقتها. ومن هنا تتجلّى قوّة الصمت: حين ندرك أن الحقيقة أرفع من أن تُستنزف في جدل، وأن السكوت قد يحمل من البيان ما تعجز عنه الكلمات. في حياتنا اليومية، كثيرًا ما نخلط بين الصمت والعجز، أو بينه وبين الانسحاب، غير أنّ الصمت الواعي هو اختيارٌ، لا اضطرار، هو أن تمتلك القدرة على الكلام، ثم تختار ألا تستخدمها، لأنك تدرك أن الكلمة في غير موضعها تفقد معناها، وربما تُسيء إلى صاحبها أكثر مما تُنقذه. ثمّة لحظاتٌ يكون فيها الصمت أداةً لاستعادة التوازن؛ لأن تقدير الذات أبلغ من الانتصار في بعض المواقف، ولأن الكلام في بعض الأحيان يستنزف المرء ويبدّد قواه. ومن زاويةٍ أعمق، نجد أن الصمت يربّي في الإنسان ملكة الإصغاء؛ الإصغاء للآخر، وللذات، ولما وراء الكلمات. فالكلام يُظهر ما نعرفه، أما الصمت فيُعلّمنا ما نجهله، ولعلّ أجمل ما في الصمت أنه يتيح للمعاني أن تنضج في دواخلنا، بعيدًا عن استعجال التعبير، وضغط التبرير. وفي الوقت الذي يُكافأ فيه الصوت العالي، وتمنح الكلمة المتسرّعة حضورًا زائفًا، يصبح الصمت فضيلةً نادرة، وموقفًا أخلاقيًا رفيعًا، هو اختيار الذين يدركون أن التأثير وامتلاك المواقف وإحداث المعنى يحتاج مزيجًا من الهدوء والتروي. الصمت زين والسكوت سلامة فإذا نطقت فلا تكن مهذارا.