فوكو تحت سلطة المنع

يُسفر الإنسان بفعاليته عن مقاصده، وهي عادة بين اتجاهين: انطلاق نحو مرغوب، أو هروب من مخوف، في جسر بين ما يهرب منه وما يقصده؛ بهذا الوصف أفسّر وعي الإنسان الفكري من خلال فعاليته الجسدية في مجاله المادي، إذ صورة الفعالية انطلاق من نقطة إلى نقطة، وهذه الصورة تحدد بمقصدها الذي أنتج هذه الصور، ومن ثمّ يتجه البحث التحليلي إلى ما خلفها من المقاصد أو المعاني؛ ومن ذلك حركة الإنسان بمجموع الأفعال الإنسانية في التاريخ؛ ولأن الفلسفة تبحث عن المعاني الكبرى، التي يتجه الإنسان إليها رغبة، وقد انطلقت في أولها من معانٍ متعالية أو ميتافيزيقية، أو بأخف صيغها "معانٍ واجبة"؛ ولأن البنيوية تسعى لكشف هذا المعاني في عصر يتجنّب التعالي، فقد سعت لكشف البنية الرابطة بين مجموع العلاقات لتشكيل الثقافات "أي حلول المعاني في البنية"؛ ولأنّ الأنثروبولوجيا الثقافية وضعت "الشخصية الأساسية-القاعدية"، التي تتجه الثقافات لتكوين أفرادها وفق نموذج الشخصية القاعدية، فقد أحلّت المعاني في الشخصية، وإن لم تكن أثراً لشخص حقيقي واحد؛ فهذه التشكلات وغيرها، في ظل بحث غربي عن "السُلط" في أشكالها التقليدية: الدين، الحاكم، النُظم... نظر ميشيل فوكو إلى تشكّل سلطوي كامن في العلاقات بين الناس، ولأنه خرج من تكوين تاريخي وفلسفي وأنثربوولجي؛ فقد صاغ حصيلته المعرفية وسياقاته في هذه السلطة المشكلة لدساتيرها وهي "الخطابات"، فالخطاب في أصله عند فوكو ينبغي أن يكون مفتوحاً بلا موجهات سلطوية، وإرادة الحق فيه متاحة للجميع بلا تسلط "وفق كلام أقرب للرومانسية منه للتمعن الحقيقي، مع تأثره الشديد بنيتشه". ولأنه خرج في تشكيل حضاري ثقافي غربي فقد رأى أن المناقشات حول السلطة بين الماركسيين والرأسماليين وغيرهم غيّبت هذه السلطة المستهدفة عنده، وهي التي تمنع لا بقول "لا"، وإنما بإنتاج ذوات تخضع لها دون أن تدرك، وذلك عبر "تقنيات". ووسيلتها الأكبر هي "الخطاب"؛ من حيث هو حصيلة فهم وتأثيرات وممارسات معينة تجاه منطوق ما، مقننة ما يقبل وما يرد. ومن ثم تنتج الحقيقة؛ التي "ترتبط دائرياً بأنساق السلطة التي تنتجها وتدعمها، وبالآثار التي تولّدها، والتي تسوسها وهو ما يدعى بـ "نظام" الحقيقة". "الحقيقة والسلطة، حوار مع فوكو، ص72". ولأن الخطاب ينتج الذوات الموسومة بوسم سلطته التي يجسدها؛ فإن "الحقيقة" فيه مشكّلة بأشكال الرغبة والسلطة، والأبعاد الكبرى المشكلة للخطاب هي إجراءات يجمعها غرض "المراقبة"؛ للتحكم في الخطاب بالرغبة والسلطة بالإجراءات الخارجية، وللتشكيل الداخلي بالإجراءات الداخلية. وأهمّ الخارجيّة وأولها ما سمّاه "إجراء الاستبعاد": الشائع في مجتمعه الغربي، فهو إجراء استبعاد بالمنع والإقصاء والإسكات، حيث يتحدد به ما يجوز الحديث عنه وما لا يجوز، حسب الموضوع، وطقوس الحديث حسب كل منطوق، وامتياز الذات المتحدثة به، ومن ذلك التعارض بين العقل والحمق، فيعترض فوكو على تقسيم الكلام لكلام مقبول أو مرفوض، أو كلام جنون وكلام عقل! ومن ثمّ فإن المقاومة لهذا الخطاب بـ"إرادة الحقيقة" التي تستهدف عمليات "الإبعاد"، وإعادة النظر في تلك الحدود، والتصنيفات، والتقسيمات، ومعنى الحقيقة المُنتجة، وما يشمل نتائج ذلك من المعرفة المُنتَجة. ولو كنتُ سأسِم فلسفة فوكو بشيء لوسمتها بفلسفة "المنع"، فهو وإن سعى لتقصي أشكال السُلط التي غابت عن غيره؛ إلا أنه وقع في سلطة أخرى هي "سلطة الممنوع"، فالممنوع مشكّل لنظره، وينزع للتحليل باستصحابه، والبحث عن وظيفته، وما يمثّل! للكشف عمّا أسكته الخطاب! أي استدلال بأثر المنع على الممنوع. وهي طريقة حسنة لكنها واقعة تحت الاسترشاد بسلطة الممنوع، لا بموازين متجاوزة للمقبول والممنوع، وفق قيم أو أصول ثابتة، أو أي أمر مرجعي، إلا النقطة المرجعية التي اتخذها في "الاستبعاد"، فرزاً بين المجالات بين ممنوع وغير ممنوع، ومن له السلطة ومن هو معدم أو مهمّش! فإعدام السلط كافّة يعني إيجاد سلطة أخرى تتحكم فيه، فلا وجود لحِراك إنساني دون موجهات تحدد مراده، ولا تشذيب شخصيته مهما كان! ومن ذلك أيضاً؛ الكامن عند فوكو، ولم يدركه؛ هو سلطة "اعتقاد الحريّة المطلقة للإنسان"! فكيف لكائن مقيّد خِلقة أن يوسم بالمطلقات، وبحسبها يميز بين حقيقة ولا حقيقة! وكان الأولى أن يناقش علاقة الإنسان القهرية بالسُلط، وما المقبول منها والممنوع، وما يتجاوز الأشخاص إلى المبادئ والقيم والمعاني والروحانيات الكبرى. وبدون السلط "مهما كانت ولو هوى نفسه" لن يتحرّك الإنسان، ولو اختزلها فوكو في "السلطة والرغبة" بين مرغوب ومخوف.