تعد السيطرة على قلعة الشقيف التاريخية، أعمق توغل إسرائيلي في جنوب لبنان منذ 26 عاماً، فبعد قتال استمر لأيام، وبقوات برية كبيرة عبرت نهر الليطاني واستولت على الموقع الاستراتيجي شماله، أعادت إسرائيل ذكريات مريرة حول المنطقة التي سيطرت عليها في الليلة الأولى من غزوها للبنان عام 1982، قبل أن تنسحب منها عام 2000، وبينما يدعم اليمين المتطرف الخطوة فإن محللين إسرائيليين يعتبرونها خططأً استراتيجياً كارثياً.وبحسب الجيش الإسرائيلي، فقد سيطر على تلة استراتيجية تطل على نهر الليطاني، وتعلوها «قلعة بوفورت» التي تعود إلى القرون الوسطى، خلال عملياته الموسعة ضد «حزب الله»، وهو ما اعتبره مراقبون تصعيداً كبيراً في جنوب لبنان، خصوصاً أنه يأتي تزامناً مع المفاوضات الجارية بين إسرائيل ولبنان برعاية أمريكية.تأتي السيطرة على قلعة القشيف في ظل مناقشة القادة الإسرائيليين علناً ما يُسمى «الحزام الأمني» طويل الأمد في لبنان لصد هجمات حزب الله، حيث أشاد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بالاستيلاء على الموقع ووصفه بأنه «خطوة دراماتيكية»، وتعهد بمواصلة القوات الإسرائيلية تقدمها في لبنان. لكن خبراء عسكريين قالوا إن أياً من هذه التحركات لن توقف على الأرجح إطلاق حزب الله للصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه الجيش أو المدن الإسرائيلية، مرجحين عودة ما سمي حرب العصابات ضد الجنود الإسرائيليين في المنطقة، وفق «نيويورك تايمز».«كارثة استراتيجية»ويؤكد حاييم تساهف، وهو كاتب إسرائيلي قاتل في المنطقة خلال تسعينيات القرن الماضي، أن الاستيلاء على الحصن يعكس كيف قد تتجه إسرائيل نحو نفس النوع من الاحتلال وحرب الاستنزاف مع «حزب الله»، التي يراها كارثة استراتيجية. وأضاف أن «بوفورت» حصن مهيب يطل على نهر الليطاني في جنوب لبنان، أصبح في النهاية «رمزاً للوجود الإسرائيلي بأكمله في لبنان»، وقد رسخ هذا المفهوم فيلم بوفورت (قلعة الشقيف) الشهير والذي رشح لجائزة الأوسكار، بحسب «نيويورك تايمز».ويتذكر حاييم أن «الشقيف» تشكل جزءاً من تاريخ القتال الدامي بين إسرائيل وخصومها، حيث هاجمت الموقع في الليلة الأولى من غزوها للبنان عام 1982 ضد منظمة التحرير الفلسطينية، ثم بقيت لنحو عقدين من الزمن بينما أمطرها حزب الله وحلفاؤه بقذائف الهاون وانسحبت في النهاية، لكن نتنياهو يقول إن قواته عادت حالياً وهي أكثر قوة من ذي قبل.ويرى مراقبون أن التصعيد الإسرائيلي يأتي رغم الآمال المعقودة على خطة بوساطة أمريكية لإرساء سلام بين لبنان وإسرائيل، بعد اجتماع مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين في واشنطن الجمعة. وقد استمرت الغارات رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي مضى عليه شهر، والذي تتبادل إسرائيل وحزب الله الاتهامات بخرقه.لكن نتنياهو أصدر تعليمات للجيش الإسرائيلي بتعميق وتوسيع السيطرة على المناطق التي كانت تحت سيطرة حزب الله في جنوب لبنان، فيما تفاخر وزير الدفاع يسرائيل كاتس بأن العلم الإسرائيلي أصبح يرفرف مرة أخرى فوق القمم المطلة على مستوطنات الجليل، مضيفاً أن الجنود الذين استولوا على «بوفورت سيبقون هناك كجزء من المنطقة الأمنية في لبنان»، مضيفاً أن الحملة لم تنته بعد، قائلاً «إن إسرائيل مصممة على «سحق» حزب الله». دلالات عبور الليطاني وفصل الجنوب عن لبنانيُعد عبور القوات الإسرائيلية نهر الليطاني والاستيلاء على مرتفعات بوفورت تصعيداً كبيراً في الصراع الحالي، إذ أصبح النهر بمنزلة حدود فعلية في لبنان منذ التوغل الإسرائيلي، حيث تخضع مساحات شاسعة جنوباً لسيطرة الجيش الإسرائيلي، وقد بدأ بالفعل في قصف وتدمير الجسور التي تربط الجنوب ببقية البلاد. ويزعم الجيش الإسرائيلي أن حزب الله كان يستخدم هذه الجسور لتهريب الأسلحة ونقل المقاتلين.ومن المقرر أن يعقد مجلس الأمن اجتماعاً طارئاً بناء على طلب فرنسي، فيما قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو لقناة «بي إف إم تي في» الفرنسية بأنه «لا شيء يبرر الاحتلال المتزايد للأراضي اللبنانية».وتتزايد المخاوف من احتلال طويل الأمد وسط دعوات صريحة داخل إسرائيل بالسيطرة الدائمة على جنوب لبنان، بزعم توفيرها مزايا أمنية، فيما استشهدت صحيفة جيروزاليم بوست بديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، الذي اعتبر النهر حدوداً شمالية طبيعية للدولة اليهودية.وتجددت تلك الدعوات بين القوميين المتطرفين الأحد، حيث نشر وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش على إكس أن «الاستيلاء على بوفورت كان تصحيحاً لذنوب وطنية قديمة» ودعا إلى احتلال دائم. كما ضغط وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير على نتنياهو للمضي قدماً و«تسوية» أجزاء من بيروت بالأرض، على حد تعبيره.ويقول فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، لشبكة إن بي سي نيوز، إن إسرائيل قد تحتل «مساحة شاسعة» من الأراضي اللبنانية، لكنها تخاطر بتوريط إسرائيل في «حرب أبدية» في لبنان. وأضاف: «لن تنعم إسرائيل بالاستقرار أو الأمن، مهما اتسعت مساحتها التي أعلنتها منطقة أمنية. سيواصل حزب الله مضايقة القوات الإسرائيلية داخل لبنان ومهاجمتها، فضلاً عن المستوطنات الإسرائيلية، ليُظهر لإسرائيل أنه على الرغم من امتلاكها القدرة العسكرية، فإنها لن تحظى بالأمن الذي وعدت به الحكومة».ويشير إلى أن الهجوم الإسرائيلي الأوسع نطاقاً في لبنان يهدد «بتقويض وإفشال نوع من الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران». وقال: «ما لم يتدخل الرئيس ترامب ويمارس ضغطاً على نتنياهو، فأنا أشك كثيراً في أن الجانب الإيراني سيوقع على أي اتفاق مع الولايات المتحدة».تداعيات الحرب الإيرانيةوكان الصراع الإسرائيلي في لبنان أخطر تداعيات الحرب الإيرانية، حيث نزح أكثر من 1.2 مليون لبناني جراء الغارات الإسرائيلية وأوامر الإخلاء منذ 2 مارس/ آذار، عندما أطلق حزب الله النار على إسرائيل إثر مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي والعديد من القادة الإيرانيين. وأسفرت الغارات الإسرائيلية على لبنان منذ ذلك الحين عن مقتل أكثر من 3350 شخصاً، وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية. وتقول إسرائيل إن 25 جندياً ومدنيين اثنين قُتلوا في جنوب لبنان أو بالقرب منه خلال الفترة نفسها. كما قُتل مدنيان آخران في شمال إسرائيل.قال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، إن استمرار الإضرابات والتهديدات وأوامر الإخلاء في جميع أنحاء جنوب لبنان «يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي، الذي تدينه جميع المعايير والقوانين الدولية».في غضون ذلك، يسعى المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون إلى التوصل لاتفاق لتمديد وقف إطلاق النار في الحرب الدائرة بين البلدين. وقد صرحت إيران بأن أي وقف لإطلاق النار مع الولايات المتحدة يجب أن يتضمن إنهاء الحرب في لبنان. قال مسؤول رفيع المستوى يشارك بشكل مباشر في الوساطة بين واشنطن وطهران إن المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين اتفقوا على شروط اتفاق الهدنة قبل أيام، لكن كلا الجانبين أرجأ وضع اللمسات الأخيرة عليه والإعلان عنه.