منذ استقلال لبنان في نوفمبر/ تشرين الثاني 1943 وحتى اليوم كان مفهوم «السيادة» الأكثر تداولاً بين جميع القوى والأحزاب والحكومات، بين من يؤمن بها وبين من لا يؤمن بها. بين من يستخدمها شعاراً مرحلياً عند الضرورة، وبين من يستخدمها غطاء لموقف سياسي نكاية بالآخر. لكن الجميع يستخدمونها في النهاية خدمة لأغراضهم الخاصة.حتى في الموقف من إسرائيل تتحول «السيادة» إلى إشكالية كبيرة قد يصل فيها السلم الأهلي إلى حافة الهاوية، كما كان حال اتفاق الطائف الذي أخرج لبنان من الاحتراب الأهلي الذي استمر 15 عاماً إلى مادة خلاف تتعلق ب«السيادة» أدت إلى تجميد تطبيق العديد من بنوده التي تحقق بعض «السيادة».الآن، وبينما لبنان ينزف، وتحتل إسرائيل المزيد من أرضه، وتجرف قراه، وتهجّر أكثر من مليون ونصف، فإن الخلاف على «السيادة» يستعر أكثر، والاتهامات المتبادلة بين السلطة والأحزاب تشتد وطأة حول الولاء للخارج والارتباط بأجندات خارجية، خصوصاً ما يتعلق ب«حزب الله» وحليفه «حركة أمل» وموقفهما الرافض لحصر السلاح بيد الدولة، والمفاوضات مع إسرائيل، باعتبار أن الدولة وحدها تمثل «السيادة» وليس أي طرف آخر.هذه الإشكالية اللبنانية ليست جديدة، إنها في الحقيقة تعبير عن مأزق يعيشه منذ إنشائه قبل 83 عاماً من خلال محاصصة طائفية كانت في أساس نظامه، حيث شكلت في الوعي الجمعي الولاء للطائفة وليس للوطن وسيادته، إذ تشتد قوة الطائفة وتقوى ويتعزز نفوذها بقدر قوة ونفوذ الدولة الخارجية التي ترتبط بها.لذلك، تم بناء هياكل الدولة والسلطة على قاعدة «الكوتا» الطائفية القائمة على بنية اجتماعية جرى توليفها بقرار من الانتداب، وهكذا فإن السلطات اللبنانية المتعاقبة عجزت عن أن تكون سلطة حقيقية تمثل «السيادة» أو تحميها.بسبب هذه «السيادة» الفاقدة لمعناها وغياب الدولة عن القيام بدورها من خلال تعميم مفهوم «قوة لبنان في ضعفه»، وتعمد عدم توفير القدرات اللازمة لجيشه لتكريس السيادة الحقيقية، دأبت إسرائيل على الاعتداء على لبنان منذ قيامها، واحتلت أجزاء من جنوبه أكثر من مرة، ودخول الفصائل الفلسطينية إليه بعد العام 1967 إلى حين خروجها عام 1982 بعد حصار إسرائيل لبيروت، ثم خضوعه للوصاية السورية حتى أواخر إبريل/ نيسان 2005.ولم يحدث أبداً أن تمكن لبنان من تحقيق سيادته، حتى انتخابات الرئاسة وتشكيل الحكومات، واختيار الوزراء، ونص البيان الحكومي كان يتم بتوافق الخارج أو تأثيره، وصولاً إلى المرحلة الحالية حيث يتصارع النفوذ الإيراني من خلال «حزب الله» مع النفوذ الأمريكي والإسرائيلي من خلال قوى باتت تجاهر بالسلام مع إسرائيل وإقامة علاقات طبيعية معها.وكل ذلك لأن الخلاف على مفهوم «السيادة» تحول إلى طلسم اختلط فيه الحابل بالنابل، ودخل لبنان في دهاليز الخلافات والمغامرات.