عن أمن الخليج

في زيارته الخليجية التي شملت دولة الإمارات والكويت والبحرين، وهي الأولى لمسؤول أمريكي رفيع منذ توقيع «اتفاقية التفاهم» بين واشنطن وطهران، أراد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو طمأنة دول الخليج بأن أي اتفاق مع إيران لن يكون على حساب هذه الدول، بل يجب أن يضمن أمنها.هذا الموقف يمثل رداً على ما تردد خلال الحرب الأخيرة عن خلل ما، فيما كان قائماً من تحالفات واتفاقيات وفرضيات أمنية.فالاعتداءات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيَّرة على دول الخليج لم تكشف عن حجم التهديد فحسب، بل كشفت أيضاً أن الأمن الخليجي يحتاج إلى مراجعة وتحديد القدرات الملائمة لمواجهة التحديات والتهديدات.أراد روبيو أن يوضح أن «مذكرة التفاهم» والمفاوضات التي انطلقت في سويسرا لتنفيذ بنودها توفر ضمانات أمنية لدول الخليج، لأنها «ليست بحاجة حتى إلى الحديث عن الضمانات الأمنية لأنها حقيقية، وليست مجرد وعود، بل واقع قائم»، وأشار في ذلك إلى «علاقات راسخة وتعاون عسكري وأصول في هذه الدول»، كما أكد أنه «لن يتم اتخاذ قرارات أو تبنّي أي التزامات تهدد أمن حلفائنا في الخليج». هذا الموقف الأمريكي يمثل التزاماً متجدداً بأمن دول الخليج، بعدما أكدت الحرب أن مسألة الأمن تحتاج إلى إعادة نظر وتصحيح المسار.كان الاعتقاد أن الاستثمار في الانفتاح الاقتصادي والاندماج في الاقتصاد العالمي وبناء شراكات اقتصادية وسياسية وأمنية واسعة، مع وجود تحالفات أمنية، توفر كلها مظلة حماية، من منطلق الموقع الجغرافي المميز، باعتبار أن منطقة الخليج تمثل عقدة التجارة العالمية، وشريان الطاقة العالمي الذي من المفترض أن يشكل حصانة جيوسياسية، ورهاناً إستراتيجياً، يحرص الجميع على سلامته وحمايته، ولا يتم السماح بالاعتداء عليه، لذلك جاءت التصريحات الأخيرة في وقتها لتبدد الشكوك حول الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة.على الجانب الآخر، كانت دول الخليج تبدو من خلال مجلس التعاون ككتلة متماسكة تجمعها أهداف واحدة ولغة أمنية موحدة، لكن تحت هذا السطح كانت ثمة مواقف وخرائط متباينة، إذ لم تكن هناك استجابة موحدة لمواجهة التهديدات والاعتداءات الإيرانية الغادرة، ما يستدعي القيام بمراجعة لهذه المواقف والاتفاق على معنى واضح ومحدد للأمن الخليجي، وبناء إستراتيجية مشتركة تتخطى الخلافات البينية، وتحسم التناقضات السياسية التي تعوق التكامل الأمني.الحرب الإيرانية الأمريكية الأخيرة كشفت الخلل الهيكلي للأمن الخليجي الذي لم يعد صالحاً لمواجهة التحديات والمخاطر المحتملة، والتطمينات الأمريكية رغم صدقيتها ليست بديلاً عمّا يجب القيام به خليجياً، ولا فقط الاعتماد على ما يمكن أن تخرج به المفاوضات من دون أن تكون شريكاً فاعلاً فيها، باعتبارها المعنية بكل ما يتعلق من قرارات تتخذ، ولا ينبغي لها أن تجد نفسها أمام أمر واقع تتلقى القرارات وتنفذها فقط.كما أن دول الخليج التي تجمعها مع إيران جغرافيا واحدة، وتاريخ طويل من العلاقات، لا تستطيع أن تتجاهل أن ما حدث خلال الحرب أدى إلى اضطراب شديد في العلاقات معها وشكوك حول دورها وأهدافها، لكن ذلك يجب ألا يشكل عقبة أمام التواصل معها والسعي لترميم الجسور التي تضررت بفعل الحرب، والسعي لتشكيل بيئة سياسية وأمنية تعيد بناء العلاقات معها على أسس واضحة، تحترم حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، من خلال اتفاقيات ومواثيق يلتزم بها الجميع، وتشكل قاعدة لعلاقات مستدامة وثابتة، توفر بيئة آمنة تتيح الاستقرار والأمن للجميع، وتضمن التطور والازدهار وخطط التنمية الاقتصادية والمشاريع الإستراتيجية التي تخدم الأجيال القادمة.وقد كان روبيو واضحاً في أن بلاده مستعدة للعب دور في تعزيز الأمن الخليجي من خلال مشاركة إيران فيه بقوله «إذا أرادت إيران وقف تصدير أيديولوجيتها والتركيز على رفاه شعبها فإن الولايات المتحدة تسعى بمساعدة شركائها إلى إقامة حوار بناء وصولاً إلى اتفاق مع إيران».