على ساحة الزمن.. حيث تبختر المتنبي!

وَما الدَّهْرُ إِلَّا مِنْ رُواةِ قَصائِدي إِذا قُلْتُ شِعْرًا أَصْبَحَ الدَّهْرُ مُنْشِدًا.. يتضح من شخصية المتنبي الزاخرة بخصال الفروسية، الرامية إلى انتزاع المكانة الاجتماعية، والصابية نحو السؤدد، أنه اعتبر الزمن خصمًا عنيدًا، ونديدًا لازماً. وما ذلك إلا من دلائل عنفوان شاعريته، واقتدار قريحته، فقد يُقاس المرء بأخصامه كما أنه قد يُقاس بأصدقائه. فحين يكون الخصم قويًا، دل ذلك على قوة الخصيم نفسه! الزمن ندٌّ لا يمكن للإنسان مجاراته، ولا التفوق عليه، حيث يسري به الحال في عناء دورات الزمن وتقلباته، وينتهي به آفلًا من الدنيا بسبب الزمن نفسه، في حين يستمر الزمن في وجودٍ أزلي، وبقاءٍ أبدي! لكن المتنبي يناهض -بنرجسية الشاعر- هذا المعنى، حيث يقول في البيت أعلاه: إن الزمن سيكون كفيلًا بتفعيل دارة أشعاره وسردها، وإذاعتها بين الناس سواء في لحظته الحاضرة أو اللحظات اللاحقة، وكأنه يرى الزمن أداة من أدواته ووسيلة نحو غاياته ومراداته. وتتجسد هذه الفكرة في قوله: أُريدُ أَنْ يُبَلِّغَنِي زَمانِي ذا ما لَيْسَ يَبْلُغُهُ مِنْ نَفْسِهِ الزَّمَنُ! حيث يتطاول في تحديه للزمن لدرجة أنه يريد أن يستعمله ليبلغ آمادًا لم يصلها الزمن نفسه. ويبدو أن ما حفز هذه القريحة العنيفة تجاه الزمن، هو شجب المتنبي على الناس الذين يشكلون واقع الزمن المعاش، مما جعله يستنكر أفعالهم، ويشمئز من بواعثهم، ويمقت حظوظ أراذلهم، ويأسف على عثار أفاضلهم. وقد علق هذه المفارقات على شماعة الدهر، حيث يقول: أَفاضِلُ النّاسِ أَغْراضٌ لِذا الزَّمَنِ يَخْلو مِنَ الهَمِّ أَخْلاهُمْ مِنَ الفِطَنِ في تعبيره عن اعتراض قاذع حول ما يفرضه الزمن من واقع مرير، ومفارقات مجحفة. لذا فالنتيجة وسبيل النفاذ في نظره لمعالجة تقلبات هذا الخصم العنيد، هي في اللامبالاة به طالما أنه لا ينصف الفضلاء، ويسوغ للأراذل كل حظ ونصيب: لا تَلْقَ دَهْرَكَ إِلَّا غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ما دامَ يَصْحَبُ فيهِ رُوحَكَ البَدَنُ وكأنه يعتمد على أسلوب «التجاهل أبلغُ من المجادلة والمنافسة»! فالخصم عنيد وشرس، غير منصف، ولا يمكن مجاراته، إذًا فالحل هو في فرض صمتٍ معرضٍ نحوه، وعدم الاكتراث لوجوده. وذلك من الأساليب الفعالة ضد أي خصم قوي! لا يقتصر شعور المتنبي بأن الدهر لم ينصفه، وإنما يتجاوز ذلك إلى التبرم من فساد أحوال عصره واستفحال الممارسات المذمومة فيه. حتى إنه يصور الفضيلة وقد غدت نادرة إلى حد أن كفّ المرء نفسه عن القبيح، وامتناعه عن إساءة الظن بالناس، يُعدّ عملًا جليلًا يستحق الثناء والعرفان، ناهيك عن الامتثال لفضائل الأخلاق، فيقول: إِنّا لَفي زَمَنٍ تَرْكُ القَبيحِ بِهِ مِنْ أَكْثَرِ النّاسِ إِحْسانٌ وَإِجْمالُ! والعجيب، ومما يجب ذكره وتسليط الضوء عليه، هو أن المتنبي قد بدا أنه خسر في ميادين شتى، وعانى ما عانى من تقلبات الدهر، وعداوة الناس، وبغضاء المنافسين، وإجحاف الأمراء والسلاطين، ولكنه قد نجح أيما نجاح في تخليد اسمه، وتسطير أشعاره في ذاكرة الزمن نفسه، حيث لا نزال نستقي من نوادره، ونستشهد بنفائسه ودرره، فنتاج عقله حي بيننا، في حين أن جسده وارى الثرى منذ قرون، فيقول: فِي النّاسِ أَمْثِلَةٌ تَدُورُ حَياتُها كَمَماتِها وَمَماتُها كَحَياتِها. فنجاحه الباهر لم يتحقق إلا بعد مماته في رصف اسمه بين أفضل شعراء العالم، وتبختر خطواته على جسر الزمن، ومن يدري إلى أي مدىً وقرونٍ لاحقة ستطول صولته مع الزمن نفسه ومجاراته له! وإلى أي مدىً سيسهر فيه العقلاء والحكماء ومحبو الأدب في تحليل أبياته، وتضارب آرائهم حول شخصيته: أَنامُ مِلْءَ جُفُونِي عَنْ شَوارِدِها وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاها وَيَخْتَصِمُ لحظة ختام: اليقين كل اليقين أن الزمن لا يمكن أن ينتصر عليه الإنسان حيث يخبرنا القرآن بذلك: «وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ»، ويقول بدر بن عبد المحسن -رحمه الله- في إحدى روائعه: والي خصيم الوقت يا بنت خسران!