عقد من الفوضى.. لماذا تعاقب 6 رؤساء وزراء على بريطانيا خلال 10 سنوات فقط؟

تعيش بريطانيا واحدة من أكثر مراحلها السياسية اضطراباً في التاريخ الحديث، بعدما أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر استقالته، مّا يمهّد الطريق أمام البلاد للدخول في مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، قد تشهد تولي سابع رئيس وزراء خلال عقد واحد فقط.وبحسب تحليل سياسي لوسائل إعلام دولية، فإن ما يحدث في بريطانيا ليس مجرد تغييرات حكومية متكررة، بل «إعادة تشكيل كاملة للنظام السياسي» بدأت مع استفتاء «بريكست»، وما تبعه من انقسامات عميقة داخل المجتمع والأحزاب.داونينغ ستريت.. من الاستقرار التاريخي إلى «باب دوّار»كان مقر رئيس الوزراء البريطاني في «10 داونينغ ستريت» رمزاً للاستقرار السياسي لعقود طويلة؛ حيث أقام فيه قادة بارزون لسنوات ممتدة، مثل: وينستون تشرشل، ومارغريت تاتشر (قرابة 12 عاماً)، وتوني بلير (لمدة عقد كامل).لكن منذ يونيو/ حزيران 2016، أصبح المشهد مختلفاً تماماً، بعد أن اختار البريطانيون الخروج من الاتحاد الأوروبي، إذ لم يكمل أي رئيس وزراء تقريباً فترة ولايته نتيجة استقالة، أو إقالة، أو سقوط سياسي.اقتصاد أبطأ وكلفة أعلىبحسب التحليلات الاقتصادية، فإن بريطانيا فقدت جزءاً من مزايا الوصول السلس إلى السوق الأوروبية الموحدة، بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي، كما تواجه تعقيدات أكبر في مجالات التجارة والاستيراد والتصدير، وتعاني تباطؤاً في النمو، مقارنة بتوقعات ما قبل «بريكست». ويُنظر إلى هذه التحديات على أنها «تكلفة مستمرة» لقرار الخروج، وليست مجرد آثار عابرة قصيرة المدى.ديفيد كاميرون (2016): الاستفتاء الذي أنهى مسيرتهصوّت البريطانيون في 23 يونيو/ حزيران 2016 بنسبة 52% لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، في قرار صادم هزّ أوروبا والعالم، وأدى إلى استقالة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، الذي دعا إلى الاستفتاء، وكان يؤيد بقاء بريطانيا في الاتحاد، لتتولى تيريزا ماي قيادة مرحلة انتقالية شديدة التعقيد.ومنذ تلك اللحظة، دخلت بريطانيا في دوامة سياسية لم تهدأ حتى اليوم، اتسمت بتعاقب الحكومات، والأزمات الاقتصادية، والانقسامات الحادة داخل حزب المحافظين.تيريزا ماي (2016–2019): مأزق بريكست المستحيلفي محاولة لتعزيز سلطتها لتمرير اتفاقات الخروج من الاتحاد الأوروبي، دعت تيريزا ماي إلى انتخابات مبكرة، لكنها خسرت الأغلبية البرلمانية، واضطرت إلى حكم البلاد بتحالف هش مع الحزب الوحدوي الديمقراطي في إيرلندا الشمالية، لينتهي بها المطاف بالاستقالة، بعد فشلها في تمرير خطتها للحزب والبرلمان.بوريس جونسون (2019–2022): النجاح السياسي والسقوط الأخلاقيبعد سنوات من الجمود السياسي، خلف بوريس جونسون —أحد أبرز وجوه حملة المغادرة— تيريزا ماي في منصبه. وحقق المحافظون في ديسمبر/كانون الأول 2019 فوزاً كاسحاً في الانتخابات العامة، ما منح جونسون تفويضاً قوياً لإنهاء أزمة «بريكست».وبالفعل، في 31 يناير/كانون الثاني 2020، خرجت بريطانيا رسمياً من الاتحاد الأوروبي، في لحظة تاريخية أنهت أكثر من 40 عاماً من العضوية.كورونا وسقوط جونسونرغم قيادته للبلاد خلال جائحة كوفيد-19، واجه جونسون سلسلة فضائح سياسية وأخطاء إدارية أدت إلى فقدان ثقة حزبه، ليُجبر على الاستقالة في يوليو/ تموز 2022، تحت ضغط سياسي داخلي غير مسبوق، تمثل في جدل حفلات «داونينغ ستريت» خلال فترات الإغلاق بسبب كورونا، واستقالات جماعية متتالية داخل حكومته، وتراجع حاد في ثقة نواب حزب المحافظين.ليز تراس (2022): أسرع سقوط في تاريخ بريطانيالم تدم حكومة ليز تراس سوى 44 يوماً فقط، بعد أن تسببت خطتها الاقتصادية، أو ما عُرف بـ«الموازنة المصغرة» —والتي تضمنت تخفيضات ضريبية ضخمة غير ممولة— في اضطراب الأسواق المالية، وارتفاع تكاليف الاقتراض بشكل حاد، مما أدى إلى انهيار سريع لحكومتها.ريشي سوناك (2022–2024): محاولة استقرار مؤقتةتولى ريشي سوناك رئاسة الحكومة، وسط أزمة ثقة حادة، محاولاً إعادة الاستقرار السياسي والاقتصادي، ونجح جزئياً في تحسين العلاقات مع أوروبا عبر اتفاقات تذليل العقبات التجارية في إيرلندا الشمالية. لكن الضغوط الاقتصادية المستمرة وتراجع الشعبية دفعا به إلى الدعوة لانتخابات جديدة في يوليو/تموز 2024، مهدت لخروج المحافظين من الحكم.كير ستارمر (2024 - 2026): صعود متعثر إلى السلطةفاز حزب العمال بقيادة كير ستارمر بالانتخابات، ليعلن نهاية «الفوضى السياسية» التي استمرت لسنوات. لكن واجهت الحكومة الجديدة منذ البداية تحديات اقتصادية ضخمة، ووصفت المالية العامة بأنها «فجوة اقتصادية خطرة» ورثتها عن الحكومات السابقة.تصاعد الأزمات وانقسام سياسي جديدخلال عامي 2025 و2026، زادت الضغوط على حكومة ستارمر نتيجة ارتفاع الضرائب إلى مستويات قياسية في وقت السلم، وصعود حزب «إصلاح المملكة المتحدة» بقيادة نايجل فاراج، وتراجع الثقة في السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة، وزيادة الخلافات داخل الحكومة، وأزمة في ملف الإنفاق الدفاعي والرفاه الاجتماعي.وبحلول منتصف عام 2026، بدأت حكومة ستارمر تفقد تماسكها تدريجياً.استقالات متتالية تُعمّق الأزمةشهدت الحكومة سلسلة من الاستقالات البارزة عجلت بالنهاية:استقالة وزير الصحة ويس ستريتنغ احتجاجاً على أسلوب القيادة.استقالة وزير الدفاع جون هيلي بسبب خلافات حول الميزانية العسكرية.تصاعد الدعوات الداخلية من نواب حزب العمال لتغيير القيادة.وفي الوقت نفسه، برز اسم عمدة مانشستر الكبرى آندي بيرنام كقوة سياسية قادرة على قيادة الحزب، ومنافسة التيارات الشعبوية، خاصة حزب «الإصلاح».بريطانيا على مفترق طرق سياسي جديدمع استقالة ستارمر، تجد بريطانيا نفسها أمام سيناريوهات سياسية معقدة قد تفتح الباب أمام الآتي:تشكيل حكومة عمالية جديدة من داخل الحزب تختار زعيماً جديداً يتولى رئاسة الوزراء.تزايد الضغوط الشعبية والدعوات لإجراء انتخابات عامة مبكرة وصعود تيارات شعبوية.الدخول في مرحلة انتقالية جديدة تزيد من حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي.كيف يُختار رئيس وزراء بريطانيا؟على عكس النظم الرئاسية، لا ينتخب البريطانيون رئيس الوزراء بشكل مباشر، بل يتم ذلك عبر نظام برلماني عريق:الناخبون يصوتون لانتخاب أعضاء البرلمان عن دوائرهم المحلية. والحزب الذي يحقق الأغلبية المطلقة من المقاعد يُشكل الحكومة. ويصبح زعيم هذا الحزب تلقائياً رئيساً للوزراء بتكليف من الملك.لكن الملمح الأكثر تأثيراً في الأزمات الأخيرة يكمن في أن اللوائح الداخلية للأحزاب تتيح لها تغيير زعمائها في أي وقت بناءً على سحب الثقة، وبالتالي يمكن تغيير رئيس الوزراء دون الحاجة للذهاب إلى انتخابات عامة، مّا يجعل المنصب أكثر عرضة للتقلبات العنيفة وضغوط الكتل البرلمانية.