عبير الشيباني… الألوان تهمس بحكاية امرأة
تعد لوحات الفن التشكيلي بالنسبة للفنان مساحة تأمل عميق يحاول من خلالها أن يمنح أفكاره شكلاً مرئياً، فيقدم رؤيته من خلال اللون والملمس والتكوين، ويتركها لتتشكل أمام المتلقي عبر طبقات من الإحساس والرمزية والمعنى، مثيراً في داخله الأسئلة عما أراد الفنان أن يقوله من خلال هذا العالم البصري، ومن هنا تأتي خصوصية الفن التشكيلي بلغته الإنسانية القادرة على التعبير عن حالات الإنسان المعقدة في تكوين بصري يمنحنا فرصة أن نرى العالم من زاوية أخرى.ضمن هذا الأفق التأملي، تأتي لوحة الفنانة عبير الشيباني التي حملت عنوان «عالية»، والعنوان بحد ذاته يعد مفتاحاً أساسياً لقراءة هذا العمل التشكيلي، فهو يحيل مباشرة إلى العلو والرفعة والسمو، ويمنح الشخصية الأنثوية في اللوحة بعداً رمزياً من خلال صورة مكثفة لفكرة المرأة في شموخها، وقوتها، ونجاحها، تلك المرأة التي تعبر عن حضورها بكل هدوء وثقة، تحمل في داخلها تاريخاً من الأصالة، وفي ملامحها ملامح تطلع نحو المستقبل.*شموخاختارت الفنانة للتكوين العام في لوحتها أن تظهر الشخصية الأنثوية في مركز اللوحة، مع رأس مرفوع قليلاً، وعينين مغمضتين، وملامح توحي بالثقة والسكينة، ولعل هذه الوضعية هي مفتاح العمل ورسالته الرمزية، فإغماض العينين يشير إلى صفاء داخلي لامرأة تعرف ذاتها وتستمد قوتها من داخلها، فترفع رأسها في شموخ وكرامة وارتقاء، وهنا يمكن الإشارة إلى أن عبير الشيباني نجحت في تقديم القوة والشموخ بصورة ناعمة، بعيدة عن القسوة أو المبالغة، فتظهر الشخصية في حالة راقية من الصفاء والراحة.رغم أن التكوين العام للوحة منح شخصية الأنثى مركزية واضحة، فإن الفنانة جعلت هذه المركزية تأتي بطريقة غير مباشرة، تاركة للوجه مساحة بصرية عليا في اللوحة، مع انسياب للكتلة الداكنة من الشعر نحو الأسفل، ثم كسرت الجمود التقليدي للبورتريه من خلال تشابك الزخارف والزهور مع الشخصية، وهذا البناء يجعل عين المشاهد تتحرك من الأسفل إلى الأعلى، وتتنقل بين كثافة التفاصيل وصفاء الوجه، لترسم للمتأمل رحلة رمزية، تبدأ من أرض مملوءة بالتجارب والتحديات، وتنتهي إلى لحظة علو وثقة.رؤية الفنانة لهذه اللوحة تقوم على الاحتفاء بالمرأة الإماراتية صاحبة الحضور الفاعل والنجاح المتوازن، فهذه المرأة جزء من بيئتها، تحمل الأصالة وتنفتح على النجاح دون أن تفقد هدوءها ورونقها، في ملامحها سكينة، وفي وضعية رأسها رفعة، عالية بالمعنى المعنوي قبل أن تكون عالية في اتجاه النظرة أو التكوين، عالية بقيمتها وحضورها، وطموحها.*لمساتالدقة والرمزية التي حرصت عليها عبير الشيباني في التكوين البصري، ترافقت مع تركيبة من الألوان تحمل ذات الأهمية خاصة في بناء المعنى، فنجد هيمنة اللون البنفسجي بدرجاته المختلفة على مساحات واسعة من الخلفية واللباس والظلال، وهو لون من الناحية الرمزية يرتبط بالعمق والروحانية والترف، واستخدامه هنا منح العمل طاقة رمزية تتناسب مع فكرة اللوحة في الشموخ والعلو، أما اللون الأخضر فحضوره الرمزي ارتبط دوماً بالحياة والجذور والطبيعة، وكأنه يرمز إلى أصالة راسخة وبيئة حاضنة.أما الألوان الأبيض والوردي والتي رسمت بها الزهور، فاستطاعت الفنانة من خلالها كسر الرتابة اللونية، وخلق حالة من التوازن بين الغموض والصفاء، فالزهور البيضاء والوردية تبدو مثل ومضات أمل ونجاح، أو مثل علامات تقدير تحيط بالشخصية وتؤكد رونقها، وفي أسفل اللوحة تظهر تفاصيل زخرفية وخطوط متموجة تزيد ثراء السطح، وتمنح التكوين إيقاعاً متنوعاً في الشكل وفي اللون، وسط بناء كثيف تتداخل فيه المساحات الداكنة مع اللمسات المضيئة والتي تناسب بلا شك فكرة المرأة الناجحة التي لا تتشكل فجأة؛ بل تتكون من خبرات وصبر وإصرار.*سيرةتعد الفنانة الإماراتية عبير الشيباني، أحد الوجوه الفنية المعاصرة التي برزت في المشهد التشكيلي المحلي، فهي من المواهب التشكيلية التي توظّف الموروث الإماراتي برؤية واقعية تميل إلى اللمسات التعبيرية، تستقي موضوعاتها من البيئة الإماراتية والذاكرة الشعبية، فتركز على المرأة الإماراتية، ومفردات الحياة الإماراتية، والعناصر التراثية المعمارية.**media[7946744]**