عبير الرميثي… الضوء والظل يرقصان على مسرح الطبيعة

اللافت في تجربة عبير الرميثي التشكيلية، ذلك التنوع في مصادر الإلهام، فهي لا تكتفي برسم الطبيعة فقط، لكنها تتميز كذلك بقوة الالتقاط لتفاصيل صغيرة غير مرئية وتحويلها إلى عمل فني، وكذلك الاستفادة من فيض الذاكرة إذ تعمل على رسم أشياء شاهدتها من قبل أو كان لها معها تجربة أو ذكرى معينة كحالة إنسانية أو منظر أو فيلم وغير ذلك، فضلاً عن الاعتماد على الخيال وتوظيف الأدوات الرقمية الحديثة مثل برنامج «الفوتوشوب».من أبرز الأعمال التي تعكس أسلوب الفنانة هي تلك اللوحة التي يظهر في مشهدها ثلاثة من طيور البجع تقوم بعملية السباحة في بحيرة أو ربما مجرى مائي وفي الخلفية بناء كلاسيكي يشبه القصر أو القلعة أو البيوت الريفية القديمة وسط كثافة من الأشجار واللون الأخضر الذي يشير إلى حالة الطبيعة التي رسمت اللوحة للتعبير عنها.تقف اللوحة شاهدة على أسلوب الفنانة في المزاوجة بين المدرستين التعبيرية والانطباعية، مع القدرة على استخدام الألوان الزيتية بشجاعة وبراعة تتضح من خلال عملية توزيع الضوء والظلال على المباني والماء والمحيط المجاور، وهي عملية صعبة وتحتاج إلى مجهود إبداعي في صناعة مشهد بصري يسرب المتعة والدهشة إلى الناظر.*حوارية**media[7967080]**تكشف اللوحة بشكل أساسي، في المستوى الجمالي، عن حوارية بين الضوء والظلال، فالبجعات الثلاث بمنزلة الكتلة المضيئة ذات الحضور الأبرز في واجهة العمل والتي يكون عليها تركيز المشاهد، ولعل الفنانة قد قصدت من توظيف هذا اللون الأبيض الساطع لجسد البجعات، أن تكسر عتمة المياه الخضراء القاتمة، ما يجعل تلك الكائنات كأنها هالات من الأنوار وسط الظلال التي تحيط بها، كما أن المياه باللون الأخضر الداكن أسفل المنصة وعند حواف اللوحة تشير إلى عمق هذه البحيرة.من الأشياء اللافتة في اللوحة كذلك، توزيع الضوء على المبنى الذي يظهر بلون ذهبي أو درجة من البيج الفاتح، بحيث يتسلل إلى المشاهد الشعور بأن أشعة الشمس تضرب واجهة المبنى بصورة مباشرة، ومقابل ذلك هناك مساحات قاتمة تحت السقوف وبجوار النوافذ لتمثيل الظلال الناتجة عن ذلك الضوء، وذلك يشير إلى عمق التدرج اللوني، إذ أن الألوان، في الخلفية وعلى مستوى الأشجار، تنتقل بين الأخضر الفاتح الفسفوري الذي هو حالة ناتجة عن انعكاس النور، وكذلك الأخضر الغامق في الزوايا وعمق الامتداد النباتي ليكون هو مساحة الظل المظلمة.وكل تلك الاشتغالات على مستوى الظل والضوء وتوزيع الألوان تجعل من اللوحة صورة بصرية تتسم بالحيوية والعمق، بحيث يوجه المشاهد في البحث عن تلك العلاقات بين العتمة والنور، ما يجعله في حالة جمالية قوامها الطبيعة بكل ألقها وسحرها الغريب المستمد من تلك العلاقات بين الألوان والكائنات.*انطباعيةيلاحظ المشاهد أن اللوحة لا تعمل على النقل الحرفي الواقعي والدقيق لتفاصيل الطبيعة، بقدر ما تعتمد الفنانة على عملية بث المشاعر والانطباعات البصرية عبر أسلوب حر وعفوي يتجلى في تحريك الألوان وتوزيعها من دون تعقيد أو تحديد صارم، فضربات الفرشاة تظهر بشكل بارز، ويتضح ذلك خلال العمل على مساحات الماء والخلفية الخضراء، إذ إن الفنانة اعتمدت على بناء الأشكال والتفاصيل على ضربات تبدو متجاورة، بحيث أنها تلتقي وتنفصل ما يمنح اللوحة أحساس الحركة المستمرة بدلاً عن المشهدية الساكنة، فضربات الفرشاة الأفقية والملتوية تم توظيفها بدرجات الأخضر الفاتح والغامق من أجل الإيحاء بتموج الماء وحركته خاصة حول البجعات.عملت الفنانة كذلك على إبراز بناء الصخور من خلال ضربات دائرية وقصيرة متراكمة فوق بعضها لبناء التلة الصخرية على الجانب الأيسر من اللوحة، ما منحها ثقلاً يكاد أن يكون ملموساً، كما جاءت الخطوط على أجساد البجعات منسابة ومنحنية من أجل أن تعكس مرونة ونعومة الحركة في المياه، وكل ذلك الجهد يعكس ابتعاد الفنانة عن الفوتوغرافية المباشرة في رسم الطبيعة.