عبد الرحمن الشاهد لـ”المجلة”: الخط العربي امتداد إنساني وسلسلة معرفية عابرة للقرون

عبد الرحمن الشاهد لـ"المجلة": الخط العربي امتداد إنساني وسلسلة معرفية عابرة للقرون layout Wed, 06/24/2026 - 08:20 ثقافة ومجتمع من رحاب مكة المكرمة، مهد الحرف العربي وموطن الإرث الإسلامي العريق، بدأت رحلة الفنان والخطاط والمعماري عبد الرحمن الشاهد، حيث تلقى مبادئ الخط العربي ونهل من تقاليده الأصيلة، قبل أن ينال عام 2012 الإجازة في هذا الفن، المتصل سنده بسلسلة تاريخية ممتدة تربطه بكبار الخطاطين وكتاب الوحي عبر أكثر من أربعة عشر قرنا. منذ بداياته المبكرة، لم يتعامل الشاهد مع الحرف بوصفه شكلا جماليا فحسب، بل باعتباره وعاء للمعنى ومجالا للتأمل المعرفي والروحي، مما أسهم في تشكيل مشروعه الإبداعي الذي يضعه في مصاف أبرز الوجوه السعودية الشابة في فن الخط العربي. تتفرد تجربة الشاهد بقدرتها على الجمع بين عالمين يبدوان متباعدين للوهلة الأولى، عقلانية الأرقام ودقة البناء المعماري من جهة، وروحانية الخط العربي وجماليته التعبيرية من جهة أخرى. وعلى امتداد تجربته الفنية التي جمعت بين الدراسة الأكاديمية والبحث الإبداعي، استطاع الشاهد أن يطور لغة بصرية خاصة تستند إلى خلفيته في العمارة الإسلامية، حيث تتجاور هندسة المكان مع انسيابية الكلمة، لينجح في إخراج الخط العربي من قوالبه التقليدية نحو آفاق الفن المعاصر. توج الشاهد مسيرته بحصد المركز الأول في مسابقة عكاظ الدولية للخط العربي، ونال جملة من التكريمات والجوائز، لينتقل من الإطار المحلي إلى حضور دولي لافت، تجلى في عرض واقتناء أعماله لدى مؤسسات ثقافية كبرى، من بينها منظمة "يونسكو". كما عزز حضوره الثقافي من خلال عمله خبيرا ومستشارا لمبادرة "عام الخط العربي" بوزارة الثقافة السعودية، إلى جانب تأسيسه مرسمي "الشاهد" و"مخطوط"، ليرسخ اسمه اليوم كأحد صناع الرؤية البصرية الجديدة، متحولا إلى علامة فارقة في قراءة الهوية والحرف بلغة معاصرة تستشرف المستقبل الثقافي للمملكة. هنا حوار "المجلة" معه. كيف أثرت نشأتك الفنية التي بدأت في الحرم المكي الشريف داخل تقليد عريق يقوم على التلقي والسند والإجازة، في رؤيتك للخط العربي؟ وهل ما زلت ترى نفسك امتدادا لهذا التقليد، أم أنك تحاول إعادة تعريفه من الداخل؟ أثرت بيئة مكة المكرمة والمسجد الحرام بعمق في تفاعلي مع فن الخط العربي والعمارة. فقد لفتني منذ الصغر الكثير من المفاهيم والقيم التي عشتها في هذه البقعة المباركة وانعكس في أعمالي. كما أتشرف بحمل سند الإجازة في فن الخط العربي، وأرى في ذلك مسؤولية قبل أن يكون شرفا. منى شكري جزء من رؤية السعودية الثقافية نقوش على قبر نبطي قصة تطور خط الجزم العربي باتت مكتملة على أرض السعودية بات في إمكان الباحثين والمهتمين بتاريخ الكتابة العربية... الفنان اللبناني سمير الصايغ سمير الصايغ: الخط العربي يشهد على الخالق والكون يستضيف "غاليري صالح بركات" في العاصمة اللبنانية بيروت معرضا... الجهل عمود الطمأنينة الخطاط منير الشعراني يجمع البصر والبصيرة في معرض وكتاب يمعن الخطاط السوري منير الشعراني في هدم المعايير الكلاسيكية... الخط العربي السعودية الفن 23 يونيو , 2026 Region الشرق الأوسط وشمال أفريقيا العمارة تساعدني في قراءة الحرف كبنية، والخط يساعدني في قراءة العمارة كنص وسردية فالخط العربي بالنسبة إلي ليس مجرد مهارة أو ممارسة بصرية، بل سلسلة معرفية وإنسانية ممتدة عبر أكثر من أربعة عشر قرنا، وأحاول أن أضيف أثرا إلى هذا التقليد العريق، لا من خلال تكراره، وإنما عبر تفعيله واستكشاف إمكاناته في سياقات معاصرة، بما يحفظ جوهره ويمنحه آفاقا جديدة. الحرف كفضاء معماري تجمع تجربتك بين العمارة والخط العربي، وهما مجالان يقومان على النسبة والتوازن والبناء. كيف تتداخل هاتان اللغتان في وعيك الإبداعي؟ تعلمت من فن الخط العربي الكثير من القيم والسلوكيات مثل الانضباط والصبر والدقة، بينما جعلتني العمارة أنظر إلى الأشياء من زوايا متعددة وبمنظور أوسع. هذه السلوكيات والقيم وزوايا الرؤية المتعددة ساهمت في خلق تكامل مميز. وفي تجربتي لا أرى الخط والعمارة مجالين منفصلين، وإنما هما لغتان تنتميان إلى أصل واحد يقوم على احترام مفاهيم النسبة والتوازن والعلاقة بين الكتلة والفراغ، وكلاهما يشترك في الاهتمام بالبعد الوظيفي والجمالي. مختارات من أعمال عبد الرحمن الراشد تتداخل هاتان اللغتان في خطابي الفني المعاصر الذي أحاول من خلاله استكشاف وإظهار مفاهيم ذات قيمة للإنسانية. فعندما أتعامل مع الفضاء والتجربة المكانية يتقدم المعماري، وعندما أقترب من الحرف ونسبه وإيقاعه يتصدر الخطاط المشهد، لكن الحقيقة أن كليهما يكمل الآخر، فالعمارة تساعدني في قراءة الحرف كبنية، والخط يساعدني في قراءة العمارة كنص وسردية. أمضيت نحو ستة أشهر في تتبع سلسلة سند الخط العربي عبر أربعة عشر قرنا لإنجاز عملك التركيبي "سلسلة المعرفة". ما الذي غير فهمك لتاريخ الخط العربي خلال إعداد هذه السلسلة؟ القارئ الجيد للتاريخ صانع جيد للمستقبل، هذه المقولة تلخص رحلتي في هذا المشروع، وهي العبارة التي استفتحت بها كتابي الذي أشتغل عليه حاليا حول مستقبل الابتكار في فن الخط العربي ضمن الفنون والتصميم والهندسة المعمارية. خلال العمل على مشروع "سلسلة المعرفة" أدركت أن تاريخ الخط العربي ليس مجرد تطور في الأشكال والأساليب، بل تاريخ انتقال المعرفة عبر الأجيال. وقد أضاف لي هذا المشروع فهما أعمق للأسس والمفاهيم التي قامت عليها هذه الممارسة، مثل السند والارتباط بالسياق الثقافي والتاريخي، وأظهر لي كيف استطاع الخط العربي أن يحافظ على استمراريته وحيويته عبر القرون من خلال منظومة معرفية متصلة. تدعو في أبحاثك إلى الانتقال من الخط بوصفه "عنصرا زخرفيا" إلى الخط بوصفه "مولدا للتصميم". إلى أي حد يمتلك الحرف العربي مقومات إنتاج عمارة كاملة؟ من خلال قراءة سريعة لتداخل الخط مع العمارة عبر التاريخ، نجد أنه استخدم في بعض الأحيان بوصفه عنصرا زخرفيا أو توثيقيا، مع محاولات عديدة في العمارة الاسلامية لإضافة معان قيمية من خلال اختيار نوع النصوص وعلاقتها بالمكان المعماري. وفي أثناء دراستي للعمارة تأكدت أن الحرف العربي يمتلك مقومات أعمق من ذلك بكثير، فهو ليس مجرد شكل بصري، وإنما هو نظام قائم على النسبة والحركة والعلاقة والمعنى، وهي المبادئ نفسها التي تقوم عليها العمارة. لذلك أرى أن الحرف العربي يمتلك الإمكانات الكافية ليكون محركا وموجها للتصميم المعماري المعاصر والمستقبلي، بحيث يصبح منطق الحرف ذاته مولدا للعمارة، لا مجرد عنصر يضاف إليها. من أعمال عبد الرحمن الراشد الخط العربي بوصفه فلسفة صممت واحدة من أكبر بوابات الخط العربي في العالم لمعرض جدة الدولي للكتاب عام 2016، محولا نصا قرآنيا إلى كتلة معمارية هائلة تستقبل الجمهور، ما التحدي الأصعب الذي واجهك؟ في غالبية أعمالي الفنية ومشاريعي البحثية أحاول أن أثير التساؤلات أكثر مما أقدم الإجابات. وفي هذا العمل كنت أستكشف مفهوم "صناعة المكان" الإبداعية ضمن مشروع يرتبط بهويتنا وثقافتنا المحلية. لا يشغلني تقديم إجابات نهائية، بل تحويل الأفكار المجردة إلى تجارب حسية تفتح مساحة للتأمل والتساؤل كان التحدي يتمثل في إيجاد توازن دقيق بين الحفاظ على حضور النص ومعناه من جهة، وتحويله إلى تجربة مكانية ومعمارية من جهة أخرى، بما يضمن احترام البعد الوظيفي والجمالي اللذين يشكلان جوهر كل من الخط العربي والعمارة. وقد نجح العمل في جذب اهتمام المتلقين، لا سيما أنني اخترت نصا من القرآن الكريم يتحدث عن اللغة العربية، وكان المعرض يقام بالتزامن مع اليوم العالمي للغة العربية. بالنسبة إلي لم يكن الهدف صناعة بوابة فحسب، بل خلق تجربة تدعو المتلقي إلى التأمل في العلاقة بين اللغة والمكان والهوية. تكوين قرآني بالخط العربي لعبد الرحمن الراشد ما الفرق بين أن يقرأ الإنسان نصا مقدسا في كتاب، وأن يختبره داخل تجربة فنية أو مكانية؟ قراءة النص في كتاب قد تكون تجربة معرفية وتأملية عميقة، أما اختباره داخل تجربة فنية أو مكانية فيمكن أن يفتح أبعادا إضافية للتلقي. فحين تشترك أكثر من حاسة في استقبال المعنى، يتحفز فهم أعمق للنص، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على التأثر والتأثير، واستكشاف المعاني المتعددة. تدور أعمالك حول مفاهيم كبرى مثل النور والمعرفة والزمن والغيب، وتبدو منشغلا بتحويل الأفكار المجردة إلى تجارب حسية يعيشها المتلقي، ما الذي يجذبك إلى هذه الأسئلة الوجودية تحديدا؟ في خطابي الفني أحاول أن أناقش وأطرح تساؤلات حول قضايا تهم الإنسان والإنسانية وتسهم في الارتقاء بالذائقة الجمالية، وتجذبني هذه المفاهيم لأنها تمثل أسئلة مشتركة يعيشها الإنسان في مختلف الأزمنة والثقافات. لا يشغلني تقديم إجابات نهائية، بل تحويل الأفكار المجردة إلى تجارب حسية تفتح مساحة للتأمل والتساؤل. فالفن بالنسبة إلي وسيلة لاستكشاف المعنى، وإعادة النظر في علاقتنا بالمعرفة والزمن والوجود، أكثر من كونه وسيلة لشرحها أو حسمها. بين الخطوط الخط العربي والعصر الرقمي كيف تنظر إلى موقع الخط العربي اليوم داخل التحولات الثقافية التي تشهدها السعودية؟ هل انتقل من ممارسة فردية إلى مشروع ثقافي وطني مؤسسي؟ كانت الجزيرة العربية الحاضنة الأولى لفن الخط العربي قبل الإسلام وبعده، وأسهمت مكة المكرمة والمدينة المنورة في نشره خارج الجزيرة العربية بعد الإسلام. ومنذ توحيد المملكة العربية السعودية كان الخط العربي على قائمة أولويات الدعم من خلال الحفاظ على الموروثات والمكتسبات، بالإضافة إلى دعم التعليم، والممارسة والإبداع. وفي إطار رؤية السعودية 2030 شهد القطاع الثقافي نقلة نوعية انعكست على حضور الخط العربي من خلال مبادرات ومشاريع مهمة مثل إطلاق عام الخط العربي 2020-2021، وإنشاء مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط العربي، وتحفيز المسابقات والإقامات الفنية المتخصصة، إضافة إلى قيادة الجهود المؤسسية والدولية لتسجيل الخط العربي على قائمة التراث غير المادي العالمي لدى منظمة "يونسكو". وأعتقد أن الخط العربي اليوم لم يعد مجرد ممارسة فردية، إذ غدا مؤثرا فاعلا في المشروع الثقافي الوطني الذي يسعى إلى الاستثمار في التراث بوصفه مصدرا للإبداع والمعرفة. وأنا سعيد جدا بهذه الجهود، ومتفائل بمستقبل هذا الفن العريق الذي يمثل الهوية العربية والإسلامية خير تمثيل. تجاوز الذكاء الاصطناعي، اليوم، مرحلة المحاكاة، وأصبح قادرا على توليد صيغ خطية ونسب هندسية دقيقة. كيف ترى أثر هذه الطفرة على مستقبل الخط العربي كفنان يجمع بين المعمار وروح الحرف؟ وما الذي يظل عصيا على الخوارزميات في تجربة الخطاط المعماري؟ الذكاء الاصطناعي أداة مهمة من أدوات العمل في عصرنا الحاضر، خصوصا إذا استفاد الفنان من توظيفها بما يخدم الحفاظ على الإبداع وتطوير التجارب الفنية. ما سيظل عصيا على الخوارزميات هو القصد والمعنى والخبرة الإنسانية التي تمنح العمل الفني روحه وفرادته وأعتقد أن هذه التقنيات ستفتح آفاقا جديدة للبحث والتصميم والإنتاج، لكنها تبقى أدوات في يد الإنسان، فالخوارزميات قادرة على المساعدة ومحاكاة الأشكال والنسب وإنتاج عدد هائل من الاحتمالات، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التجربة الإنسانية التي تتشكل عبر التعلم والممارسة والتأمل. لذلك لا أرى العلاقة مع الذكاء الاصطناعي بوصفها علاقة تنافس، وإنما هي علاقة تكامل. أما ما سيظل عصيا على الخوارزميات فهو القصد والمعنى والخبرة الإنسانية التي تمنح العمل الفني روحه وفرادته. 24 يونيو , 2026 story cover Off Label No label Promotion Article Off Show on issuepdf page Off