صيــــانـــة الــذات..

«اعتزل ما يؤذيك»، ليست مقولة عابرة أو كلماتٍ ثقافية منمقة، بل هي رؤيةٌ إنسانية عميقة تتجاوز معناها المباشر، إلى الفلسفة في إدارة الحياة والعلاقات، فهي لا تدعو إلى الانعزال عن المجتمع أو الانكفاء على الذات، وإنما تحث الإنسان على امتلاك وعيٍّ نقدي يميّز به بين ما يبني شخصيته وما يهدمها، وبين ما يثري تجربته الإنسانية وما يستنزف طاقته النفسية والفكرية، فالابتعاد عن مصادر الأذى ليس عجزًا ولا تعبيرًا عن الضعف، بل حماية للإنسان من كل ما ينتقص من إنسانيته أو يعطله ويعيق تطوره، ولو نظرنا بعمق سنجد أنه لا يوجد قوانين سماوية أو أرضية تفرض عليه احتمال الأذى، أو البقاء في محيطه، بل إن الحكمة تقتضي أن نواجه ما يمكن إصلاحه، وأن نبتعد عما ثبت ضرره. في الواقع لن أحكي بلغة باردة، ولن أستخدم أسلوب التنظير، ولن أتحدث من برجٍ عاجي، وأبدأ في سرد ما يجب وما لا يجب، ولكن سأتمنى أن ينجو الجميع من تلك البؤرة المعتمة التي تعكر مساحتهم المطمئنة، أتمنى أن يتجاوزوا الأشخاص المؤذين، وأن يغادروا المدن التي تحرك أوجاعهم، وأن يتحرروا من المجاملات الاجتماعية القاتمة، «اعتزل ما يؤذيك»، ليست مجرد نصيحة أخلاقية، بل هي منهجٌ في بناء الإنسان، وصيانة لكرامته الفكرية والنفسية، هي دعوة إلى تحقيق التوازن بين الانفتاح على الحياة والوعي بحدودها، هي نداءُ إلى الإدراك بأن قوة الإنسان لا تُقاس بقدرته على تحمل الأذى، بل بحكمته في تجنبه، فاعتزال الأذى وسيلة لبناء شخصية أكثر نضجًا، ومجتمع أكثر صحةً واستقرارًا. أتمنى أن نمتلك القوة والقدرة على الدفاع عن أرواحنا، وحمايتها والسمو بها نحو السلام الداخلي.