شخصية البطل

كثيرًا ما يتردد في عالم كرة القدم الحديث عن «شخصية البطل»، تلك الصفة التي تظهر عندما تصبح المباريات أكثر تعقيدًا، فتمنح الفريق القدرة على الصمود وحسم المواقف الصعبة مهما كانت الظروف. ومنتخب المغرب، أسود الأطلس، جسّد هذا المفهوم على أرض الملعب خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بالإصرار والانضباط والثقة بالنفس، منذ مشاركته في كأس العالم 2018 وصولًا إلى النسخة الحالية في 2026. في مونديال روسيا 2018، دخل المنتخب المغربي البطولة بجيل موهوب يضم مجموعة من اللاعبين أصحاب الإمكانات الكبيرة، لكنه وجد نفسه في مجموعة صعبة ضمت إسبانيا والبرتغال، ليغادر المنافسات من دور المجموعات. ورغم أن النتائج لم تكن على مستوى الطموحات، فإن الأداء في أكثر من مباراة منح الجماهير الأمل، وأكد أن الفريق يمتلك قاعدة قوية يمكن البناء عليها. وكانت تلك المشاركة درسًا مهمًا، إذ أصبح واضحًا أن الموهبة وحدها لا تكفي لتحقيق الإنجازات من دون تنظيم جماعي وانضباط تكتيكي. ومع وصول المدرب وليد الركراكي، دخل المنتخب مرحلة مختلفة. لم يقتصر العمل على الجوانب الفنية فقط، بل امتد إلى بناء عقلية تنافسية تؤمن بقدرة الفريق على مقارعة الكبار. ركز الجهاز الفني على تنظيم دفاعي محكم، وسرعة في التحول الهجومي، وترسيخ ثقافة العمل الجماعي داخل الملعب وخارجه. وسرعان ما ظهرت نتائج هذا العمل في بطولة كأس العالم 2022، التي أكدت أن هذا المشروع يسير في الاتجاه الصحيح. في دور الـ16 أمام إسبانيا، انتهت المباراة بالتعادل السلبي بعد 120 دقيقة من المنافسة. ونجح الدفاع المغربي في الحد من خطورة الاستحواذ الإسباني، بينما أظهر اللاعبون هدوءًا وثقة طوال اللقاء. وعندما احتكم الفريقان إلى ركلات الترجيح، تألق الحارس ياسين بونو بتصدياته الحاسمة، قبل أن يسجل أشرف حكيمي الركلة الأخيرة، ليقود المغرب إلى الفوز بنتيجة 3-0. وكانت تلك الليلة واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الكرة المغربية، بعدما جسدت شخصية الفريق القائمة على الصبر والتركيز والشجاعة أمام أحد أقوى منتخبات العالم. وفي الدور ربع النهائي، واجه المغرب منتخب البرتغال، المرشح بقوة للمنافسة على اللقب. لكن الأسود قدموا مباراة كبيرة من الناحية التكتيكية، وأحسنوا إغلاق المساحات واستغلال الفرصة التي سنحت لهم، لينتهي اللقاء بفوز تاريخي بهدف سجله يوسف النصيري، ويصبح المغرب أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ نصف نهائي كأس العالم، في إنجاز سيظل حاضرًا في ذاكرة الجماهير وتاريخ البطولة. ولم تتوقف هذه الروح عند مونديال قطر، بل استمرت في الظهور خلال كأس العالم 2026. ففي مواجهة هولندا ضمن دور الـ32، انتهت المباراة بالتعادل 1-1 بعد الوقت الإضافي، قبل أن يحسم المنتخب المغربي بطاقة التأهل بركلات الترجيح بنتيجة 3-2. ولم يكن التأهل وليد لحظة واحدة، بل ثمرة التماسك الذهني والالتزام الجماعي اللذين أصبحا من أبرز سمات هذا المنتخب. ولا تقتصر قوة المنتخب المغربي على وجود لاعبين مميزين، بل تكمن، قبل كل شيء، في الروح الجماعية التي تجمع عناصره، والإحساس الكبير بالمسؤولية عند تمثيل الوطن. لذلك يقاتل اللاعبون حتى اللحظة الأخيرة، مؤمنين بأن الإرادة والانضباط قد يصنعان الفارق حتى أمام المنتخبات التي تبدو أقوى على الورق. لهذا أصبح المنتخب المغربي مصدر فخر وإلهام لكثير من الجماهير العربية والأفريقية. فـ«شخصية البطل» ليست مجرد عبارة تتردد في التحليلات الرياضية، بل واقع أثبته أسود الأطلس في أكثر من مناسبة، وما زالوا يعملون على ترسيخه مع كل بطولة جديدة، طامحين إلى كتابة فصول أكثر إشراقًا في تاريخ الكرة المغربية.