يبدو أن سياسة إهدار الفرص للتوصل إلى سلام دائم في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في منطقة الخليج، هي سياسة إيرانية ثابتة، طالما أن أهدافها في الهيمنة والاستئثار لم تتحقق، لذلك لم تجد في «مذكرة التفاهم» الموقعة مع الولايات المتحدة في 17 يونيو (حزيران) الماضي ما يلبي تطلعاتها الإقليمية، فعمدت إلى التلكؤ في المفاوضات، ثم الانسحاب منها بذريعة تشييع المرشد السابق آية الله علي خامنئي الذي قتل في فبراير (شباط) الماضي، ثم استئناف العدوان على الكويت والبحرين، واستهداف ناقلات النفط والغاز أثناء عبورها مضيق هرمز الذي تحاول وضع يدها عليه وتحويله إلى أداة ضغط على العالم بحكم موقعه كنقطة عبور لأكثر من 20 في المئة من النفط والغاز إلى دول العالم، ما استدعى رداً أمريكياً على مواقع عسكرية على السواحل الإيرانية وفي العمق الإيراني، كما استدعى استنكاراً خليجياً وإماراتياً باعتبار أن الاعتداءات السافرة في الوقت الذي تمضي فيه الجهود الإقليمية والدولية إلى التهدئة تشكل «تقويضاً ممنهجاً لجهود خفض التصعيد، وتضرب بالإرادة الدولية لهذا المسار عرض الحائط».من الواضح أن إيران تحاول التهرب من استحقاقات «مذكرة التفاهم»، ولا تبالي بتداعيات ذلك على أمن واستقرار المنطقة، ولا حتى على أمن مواطنيها، ولا تبالي بالنتائج الكارثية التي يمكن أن تلحق بالبنى التحتية الإيرانية والمؤسسات ومحطات الطاقة والجسور وغيرها في حال اتساع المواجهة وسقوط «المذكرة».ربما وصل النظام الإيراني إلى قناعة بأن المضي في تنفيذ «مذكرة التفاهم» ومواصلة المفاوضات لم يعودا يلبيان طموحاته وأهدافه، فقرر التملص منها تحت ذريعة أن الطرف الآخر لا ينفذ المطلوب منه في المذكرة، خصوصاً ما يتعلق بالبند الخامس المتصل بترتيبات المرور في مضيق هرمز، أو في ما يتعلق بالبند الأول المعني بإنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، أو البند الحادي عشر المتعلق بالأرصدة الإيرانية المجمدة.يعتقد النظام الإيراني أن أخذ مضيق هرمز رهينة يوفر له القدرة على فرض شروطه، واستخدامه وسيلة ضغط على دول المنطقة، وعلى الولايات المتحدة والعالم.ومع ذلك، ما زالت هناك فرصة متاحة للعودة إلى المفاوضات، وذلك يستدعي من هذا النظام التخلي عن منطق الغطرسة والغرور والاستعلاء، والالتزام بالقانون الدولي، والعودة إلى العقل والحكمة رأفة بشعبه أولاً، الذي تأذّى طويلاً من آثار الحصار الاقتصادي، وإهدار أموال طائلة على أدواته في المنطقة، فيما يعاني الشعب الإيراني أزمات معيشية خانقة.لقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم «انتهت»، لكنه عاد وقال إنه منفتح على استمرار المفاوضات «إذا رغب المفاوضون في ذلك»، وهو بذلك يُبقي البابا موارباً، لعل الجانب الإيراني يغتنم الفرصة ويعود إلى طاولة المفاوضات قبل أن يخرج الوضع عن السيطرة، ويعود إلى نقطة الصفر. على أمل أن يتمكن الوسطاء الذين بذلوا جهوداً مضنية للوصول إلى «مذكرة التفاهم» من إنقاذها، وإنقاذ العالم من العبث الإيراني.