سلوك إيران يُجهض فرص السلام

عندما وقعت الولايات المتحدة وإيران مذكرة التفاهم باتجاه إنهاء الحرب، توقع البعض أن تتنفس المنطقة الصعداء، وأن يسهم الاتفاق الإطاري في فتح صفحة جديدة من التهدئة الإقليمية، وتأمين الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وأن تحل الدبلوماسية مكان لغة السلاح، غير أن استمرار الاعتداءات الإيرانية على الملاحة وعدد من دول المنطقة، يؤكد أن هذا السلوك يهدد بإجهاض فرص السلام.ما حدث خلال الأيام الثلاثة الماضية من هجمات إيرانية، استهدفت سفناً بينها ناقلتا غاز قطرية وناقلة نفط سعودية، والرد الأمريكي عليها بضرب عشرات المواقع العسكرية على الضفة الأخرى من مضيق هرمز، ثم تجدد الاعتداءات الإيرانية على الكويت والبحرين، كلها معطيات تنذر بإعادة المنطقة إلى مربع التوتر الأول، وتثبت أن الاتفاقات الورقية وحدها لا تكفي للجم السلوك الإيراني، دون وجود آليات ردع حقيقية والتزامات موثقة. وما جرى وقد يجري من تصعيد يهدد بتقويض مذكرة التفاهم بأكملها، ويؤكد أن طهران ليست جادة، وإنما تحاول استغلال الهوامش الدبلوماسية، لإعادة ترتيب أوراقها الميدانية، وليس لبناء سلام مستدام مع محيطها، وخصوصاً جوارها الخليجي، الذي عانت دوله تصرفاتها غير المسؤولة، واعتداءاتها على المرافق المدنية الحيوية، رغم المواقف المعلنة لدول التعاون في رفض الحرب ودعواتها المتكررة إلى إنهاء الخلاف الإيراني الأمريكي بالطرق الدبلوماسية، والالتزام بقيم التعايش ومبادئ حسن الجوار، وفق الأعراف والقوانين والمبادئ الإنسانية.الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استبعد أن تندلع الحرب مجدداً مع إيران، لكنه أقر بتراجع تفاؤله بإبرام اتفاق نهائي يطوي صفحة الصراع، وهو موقف يحمل دلالات عدة منها أن المسار الدبلوماسي الذي انطلق من سويسرا بوساطة باكستانية قد يتوقف في أي لحظة، وأن التوتر الذي تفاءل الجميع بتراجع حدته، قد يتأجج بصورة مفاجئة، ما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة تتأرجح بين الهدنة الهشة، والانفجار العسكري المباغت، في ظل غياب الضمانات الحقيقية للالتزام بالاتفاق المعلن لإنهاء الحرب.دول الخليج العربي ليست طرفاً في الحرب، ولكنها متأثرة مباشرة بنتائجها، سواء كانت حرباً أو سلماً، إذ تجد نفسها في خط الدفاع الأول أمام ارتدادات أي مواجهة عسكرية تمس أمن الطاقة العالمي والملاحة في مضيق هرمز، ما يدفعها إلى تبني خيارات تحررها من البقاء رهينة لغموض الموقف الإيراني المتأرجح تارة مع الاستقرار والسلام، وطوراً مع التصعيد وإطلاق التهديدات غير المسؤولة، والتصرف بمنطق أرعن، لا يستجيب لأبسط مقومات الجوار والتعايش مع دول ذات سيادة، وتجمعها مع إيران روابط جغرافية وتاريخية ودينية وثيقة، كان يُفترض أن تكون جسراً لبناء الشراكة والازدهار المشترك، لا منصة لتصدير الأزمات وزرع بؤر التوتر.لا أحد في المنطقة يريد عودة التصعيد ومنطق الحرب، لأن الجميع يدرك كلفته الباهظة على التنمية والاستقرار، ما يجعل التمسك بالحلول الدبلوماسية الشاملة الخيار الوحيد، لتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراعات المدمرة، ولكن ذلك يستوجب الاعتراف بحقوق الدول في حماية سيادتها وأمنها، ووقف التدخلات الخارجية التي تزعزع الاستقرار وتغذي الصراعات الإقليمية.