أمشي مع فريق الإغاثة، ارتدي سترةً فوسفوريةً بألوانٍ ساخرة في هذه اللوحة الرمادية الجرداء.. هدنة هشة ليست سلاماً، إنها آلة الطحن تلتقط أنفاسها، وعيون غير مرئية تتربص خلف شقوق المباني، ترصد أنفاسنا وتحصي خطواتنا في صمت خانق كئيب. أتجوّل على أرصفة مكسورة، غريباً عابراً، وابناً عائداً، وروحاً ضلت طريقها طويلاً.. مدينةٌ ولدتُ فيها، وشُردتُ قسراً في طفولة غضة، ها أنا أعود إليها وقد انسدل شيب لحيتي وعنفقتي، في فرقة إغاثة، وربما تكون إغاثة لروحي المبعثرة. في الجامعة، أشرح لطلابي كيف يبدو لنا الكون مبعثراً لنكتشف الاتزان في ثناياه، لكن ما أراه هنا أكبر مما أستطيع استيعابه، تلك اللاطمأنينة التي تجتاحني في كل حين، والتي هي ربما كامنة في نسيج هذا الوجود، ليست سوى إشارة خفية تدعوني إلى التأمل. أرسم في دفتر يومياتي صورة للواقع.. لكن أُخرست كل المفردات، انهارت الأبجدية تحت الأنقاض، وتراجعت البشرية إلى لغتها البدائية الأولى: الأنين الغريزي، التحديق الأبله في الفراغ، أو الصمت المطبق الذي يبتلع الصدى. الوجوه الشاحبة تتزاحم حول صناديق الإعاشة بحركات آلية مجردة من الكرامة، لم تكن هناك مفردات قادرة على وصف هذا الظلم الفادح الذي يختزل الإنسان. التقت عيناي بها، متطوعة في الفريق، تمرر الأغطية الصوفية للناجين، وذلك البريق الحي، المتمرد، في عينيها؛ شعاع من ضوء دافئ اخترق صقيع اللحظة.. في تلك النظرة الخاطفة، وجدتُها في زحمة الوجوه، وكلُ الضجيجِ انسحبْ، بيننا خطوةٌ صغيرة، وسط بحر من العيون المنطفئة والأرواح المسحوقة، شعرتُ هناك بقسمةِ الحبْ.. وكأنها الحقيقة الوحيدة. في العتمة، وظلال ما تبقى من المدينة، انسحبتُ من قافلتي.. إلى متاهات من العدم والركام، لا إشارات أو أسماء في الطرقات.. كنتُ أتجه نحو أطلال بيتٍ لا عنوان له، تقودني طلاسم رسالة مشفرة وصلتني في المهجر تقول: «كي لا تُغتال الحقيقة».. في القبو نصف المنهار حفرتُ بيديّ العاريتين نفقاً صغيراً حتى انبجست من جروحي دماءٌ مسحتها بجبيني وخدي، استخرجتُ صندوقاً معدنياً صدئاً فيه قوائم بأسماء ومحاضر، مسدسٌ صغير دسستُهُ في جيبي وإصبع ذاكرة إلكتروني ابتلعته في جوفي.. ضممت الصندوق إلى صدري وكأنني أعانق حقيقة مفقودة ستنتقم للدم.. لكن العيون هنا لا تنام. ومضة لمعت من قمةٍ محترقة.. قناص! .. صمت الهدنة الكاذب مزقته قذيفة محت الجدار المجاور لرأسي وإصابة في طرف كتفي الأيسر.. لم أفكر، بل استيقظت غريزة البقاء لديّ.. ركضتُ وركضتُ وركضتُ.. مطارداً أتلوى على أرصفة مكسورة في طرقات ميتة.. أتنقل بين الأنقاض كذئب جريح، ورصاص القناصة يمسح الأرض من خلفي، باحثاً عن كياني ليلغيهِ من سجلات الوجود. في زقاق ضيق، انزلقتُ داخل صدع في جدار بيت عتيق يريد أن ينقضّ، يقاوم الانهيار.. تفوح في المكان رائحة بخور عودٍ عتيق، عتمة ونار خافتة، وشيخ انسدل سحاب شيبه الكثيف.. يقرأ: «قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين»؛ كلمات سكينة بثت فيّ تفاؤلاً في واقع مشتبك.. حتى ظننت أنه سيزوجني وأعيش هنا عشر سنوات هادئات.. دوت انفجارات.. انكسرت الهدنة.. المدفعية تدك المدينة من جديد، ولم يعد سوى ضجيج نارٍ انفلت من عقاله يريد أن يقتنص فرصة عُلوهِ كي يفتك بكل شيء.. اهتز البيت العتيق بزلزلةٍ عاتية.. انفجار أصم الآذان.. فبدا وكأن كل شيء ينهار بصمت.. وغبتُ في لا يقينٍ برزخٍ بين الحلم واليقظة.. تذكرت أنه مر عليّ حُلمٌ مثلهُ ليلة توفيت أمي.. عتمة حالكة، لا أستطيع تمييز خط الزمن في سقوطٍ حرٍ لا ينتهي.. سواد في دوائر بعضها تحت بعض.. ثم رعشة مرعبة سرت في جسدي وكأن روحي نهضت فجأة بعدما انزلقت فيما الله به عليم.. محاصراً بين عمودين خرّا على زيتونة كعبها عتيق أنقذتني.. شعرت وكأن شيئاً ضخماً يسقط ببطء، يعد ثواني حياتي المتبقية بألم طاحن يزداد عمقاً مع كل زفير.. أدركت الآن أنكِ المجهول فيّ ولا رغبة لي سوى أن تكوني هنا.. كي أحبكِ وحدي وأشعر رغبةً بعناقٍ أضمُكِ فيه ضوءاً، في حلمٍ يستأنسُ الألمْ.. ورغبةً بالبكاء.. رغباتي فيكِ وأنتِ فيّ عزف منفرد.. والليل يبتعد.. تسرّبَت روحي إليكِ.. ترسم ملامح هذياني.. أحبيني عند زيتونة كعبها عتيق قرب نبعك العميق.. أحبيني حتى وأنتِ بعيدة عني اهزمي كل جنود الصد.. وبعثري أوراقي وأقلامي ومحبرتي. فجأة، تخلل العتمة خيط رفيع من ضوء باهت.. لم تكن فرق إنقاذ، بل كانت هي.. سحبتني بصمت من رحم الألم، استندتُ عليها، تحسست المسدس ، مشينا في جحيم المدينة عبر دروب جانبية في اتجاه البحر.. دفعنا قاربَ صيدٍ صغير إلى الماء.. الصندوق المعدني لا يزال في حضني المرتجف، وهي تجلس أمامي.. البحر أزرق، هادئ، وممتدٌ مد البصر.. للحظة، تخيلت أن البندول بدأ يتباطأ نحو المنتصف ليعلن نهاية الألم.. ظننتُ أن هذا الاتساع وعينيها سيغسلان ما تبقى منه.. وفي منتصف المسافة بين الخراب والأفق الأزرق، توقفت عن التجديف.. خلعت قناعها.. مدت يدها، وانتزعت الصندوق المعدني من حضني المستسلم تماماً.. مدت يدها المرتجفة نحو سترتها الفوسفورية، وأخرجت جهاز اتصال لاسلكي أسود.. وبنفس مُفرداتي، ولغة طفولتي وأجدادي.. قالت: «أرسلوا الزورق إلى الموقع.. ها قد نفذت جزئي من المهمة، أريد تصريح الخروج الآن».