سعيد الكتبي: القارئ يبحث عن صدق التجربة لا عن «الشفقة»

يعد تناول التجارب الإنسانية الملهمة والمرتبطة بالتحديات الصحية، واحداً من مجالات الكتابة والتأليف التي يرتبط طرحها في قضايا إنسانية تستحق الفهم والتحليل، وبات القارئ يميل إلى قراءة هذه التجارب من زاوية القيمة التي تضيفها، وليس من زاوية المعاناة التي تختزلها، بعيداً عن التبسيط العاطفي إلى معالجة أكثر توازناً وموضوعية، والتي تضع التجربة في سياقها الإنساني الأوسع، وتمنحها بعدها المعرفي والجمالي.في هذا الحوار، يقدم الكاتب سعيد الكتبي، والذي حول رحلته مع مرض «الشلل الدماغي» إلى قراءة ذاتية عميقة في كتابه «سعدت بالشلل الدماغي»، كاشفاً لـ«الخليج» عن أبعاد إنسانية وفكرية، تتجاوز ظاهر العنوان إلى جوهر التجربة وما تنطوي عليه من معاني الامتنان والتحول، فقد أوضح في معرض حديثه عن اختيار هذا العنوان، أنه جاء مقصوداً لما يحمله من قدرة على إثارة التساؤل منذ الوهلة الأولى، مؤكداً أن عنصر الصدمة الذي قد يشعر به القارئ يعد مدخلاً للتفكير في دلالة أعمق.وفي هذا السياق، بين الكتبي أن السعادة التي يشير إليها العنوان لا تتعلق بالتحدي أو الحالة بحد ذاتها، وإنما بما أفرزته هذه التجربة من وعي وإيمان ومعنى، مشيراً إلى أن رحلته كانت محفوفة بلطف الله ورعايته، ثم بالدعم الاستثنائي الذي تلقاه من والدته، التي أدت دوراً كبيراً في فهم حالته والتعامل معها منذ المراحل المبكرة، وهو ما أسهم في تجاوز تحديات الطفولة وبناء شخصية قادرة على تحويل الصعوبات إلى مصادر قوة وأمل.وحول نشأة فكرة الكتاب، أشار الكتبي إلى أن الدافع الأول جاء من تشجيع أكاديمي مباشر، حيث رأى أستاذه الدكتور عيد شكر النداوي أن هذه التجربة تستحق أن توثق وتروى، وهو ما شكل نقطة التحول نحو تحويل التجربة الشخصية إلى مشروع كتاب، ولفت إلى أن الكتاب لا يسعى إلى استدرار التعاطف أو تقديم سردية تقليدية عن المعاناة، وإنما يهدف إلى ترسيخ فكرة أن التحديات لا تعيق تحقيق الأحلام، شرط توفر الإيمان والدعم الصحيح.* شحنات عاطفيةوفي سياق تجربته مع الكتابة، بين الكتبي أن أصعب اللحظات تمثلت في استعادة تفاصيل الطفولة، لا سيما تلك المرتبطة بالرحلة العلاجية، لما تحمله من شحنات عاطفية مؤثرة له ولأسرته، وبين أن العودة إلى تلك الذاكرة لم تكن سهلة، لكنها كانت ضرورية لصدق السرد. وأوضح أن التحدي الأبرز، تمثل في كيفية نقل التجربة بقدر عال من الصدق من دون الوقوع في المبالغة أو استدرار الشفقة، وهو ما تطلب منه توازناً دقيقاً بين البعد الإنساني والطرح الموضوعي، بحيث يظل النص وفياً لرسالته القائمة على الأمل والامتنان.وفي إطار حديثه عن لغة التحفيز التي غالباً ما تستخدم في تناول تجارب التحدي، أشار الكتبي إلى أن هذه اللغة تفقد قيمتها عندما تتحول إلى عبارات عاطفية مختزلة، مؤكداً أن التحفيز الحقيقي ينبغي أن ينبع من فهم للتجربة الإنسانية بكل تعقيداتها، كما بين أن الأجدر هو النظر إلى الإنسان من خلال ما يقدمه من إنجاز وما يحققه من أثر، داعياً إلى إعادة صياغة الخطاب الثقافي المرتبط بهذه الفئة.وأكد أنه خلال رحلته مع النشر والتعريف بالكتاب حظي بتقدير ودعم ملحوظين، وهو ما أرجعه إلى طبيعة البيئة الثقافية في الإمارات التي تعزز قيم التمكين وتحتفي بالإنجاز الإنساني.* دعموحول حضور الكتاب الذين خاضوا تجارب إنسانية استثنائية، أشار الكتبي إلى أن المشهد الثقافي، لا سيما في دولة الإمارات، يشهد اهتماماً متزايداً بهذه الأصوات، مؤكداً أنه لمس هذا الدعم بشكل مباشر من خلال مشاركاته في معارض الكتب والفعاليات الثقافية التي احتضنت كتابه، وقدمت له فرصاً حقيقية للتواصل مع الجمهور، ومع ذلك، شدد على أن المعيار الأهم يظل مرتبطاً بجودة الفكرة وقيمة المحتوى، معتبراً أن تنوع التجارب الإنسانية يشكل إضافة نوعية تثري المشهد الثقافي وتفتح آفاقاً جديدة للرؤية والتعبير.وفي معرض حديثه عن القارئ العربي، أكد الكتبي أنه بات أكثر وعياً وانفتاحاً، وأصبح قادراً على التفاعل مع التجارب الإنسانية بعيداً عن التعاطف السطحي أو الأحكام المسبقة، مشيراً إلى أن القارئ الحقيقي يبحث عن الفكرة والرسالة وصدق الطرح، كما بين أن من أبرز المفاهيم التي يسعى إلى تصحيحها هي التركيز المفرط على التحديات التي مر بها الإنسان، في مقابل إغفال ما حققه من إنجاز، مؤكداً أن القيمة الحقيقية تكمن في ما يضيفه الإنسان من أثر وإبداع، وأن الإبداع في نهاية المطاف هو المعيار الأصدق الذي يتجاوز كل الاعتبارات الأخرى.أما على مستوى التجربة الشخصية، فقد شدد الكتبي على الدور المحوري الذي أدته الأسرة، لا سيما والدته، في تشكيل مسيرته، وشدد على أنها كانت الداعم الأول وصاحبة الأثر الأكبر بعد الله تعالى. وفي هذا السياق، أوضح أنها آمنت به منذ البدايات، وساندته بحب وصبر كبيرين، وأسهمت في بناء ثقته بنفسه، كما بين أن ما حققه من إنجازات هو ثمرة لهذا الدعم المتواصل، وأن كتابه يحمل في جوهره رسالة امتنان عميقة لها، باعتبارها شريكاً حقيقياً في كل خطوة من خطوات الرحلة.*تطلعاتفي ختام حديثه، تطرق الكتبي إلى تطلعاته من دور النشر والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وأنه لا يسعى إلى معاملة استثنائية، لكن يجب دائماً تقييم الكاتب بناء على فكره وإبداعه، وأشار إلى أهمية استمرار دور النشر في احتضان التجارب الإنسانية الصادقة.ودعا المؤسسات الثقافية والإعلامية إلى مواصلة دورها في إبراز النماذج الملهمة وتسليط الضوء على الإبداع بوصفه قيمة إنسانية جامعة، مشيداً بالبيئة الثقافية في دولة الإمارات التي تضع الإنسان في قلب مشروعها التنموي، معرباً عن اعتزازه بما توفره من فرص وتمكين.