يلاحظ متابعو الشأن الشعري تراجع حضور قصيدة التفعيلة؛ بعد أن هيمنت عقوداً على المشهد الأدبي، وتحديداً منذ أواخر الأربعينات على أيدي روادها: نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، والبياتي، وصلاح عبد الصبور، وأحمد عبد المعطي حجازي، ومحمود درويش. وقد بلغت هذه القصيدة حقبتها الذهبية بين الستينات والثمانينات؛ مستندة إلى زخم نقدي وسجال أدبي رسخ هذا القالب التجديدي.غير أن هذا اللون شَرَع في التراجع الملحوظ مؤخراً على مستوى الشعراء والنصوص معاً، لتنقسم الساحة اليوم بين أصالة الشعر العمودي وحرية قصيدة النثر. وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية: هل خسرت التفعيلة موقعها الوسيط بين المحافظة والتجديد لصالح خيارات أكثر وضوحاً؟ وهل بات الشعراء ينشدون فضاءً أرحب فاتجهوا صوب النثر؟ أم أن العودة القوية للقصيدة العمودية كانت السبب الأبرز في هذا الانحسار؟يُعدُّ الشاعر سالم أبو جمهور واحداً من أبرز الشعراء الذين برعوا في كتابة القصيدتين؛ الكلاسيكية والتفعيلة. وهو في هذه المساحة، يفتش عن أسرار تراجع ذلك القالب الذي ساد يوماً، ومثّل ظاهرة أدبية وثقافية ونقدية كبرى. كما يستعرض العوامل التي أسهمت في هيمنة أشكال شعريّة معينة على حساب أخرى في عصرنا الراهن، كاشفاً كيف تمدد النثر في فضاءات انحسرت عنها التفعيلة، ومفسراً في الوقت ذاته سر البقاء القوي للشعر العمودي.وفيما يخص الأسباب الفعليّة والمباشرة لتواري شعر التفعيلة في الوقت الراهن، يرى أبو جمهور أنها تنقسم إلى أسباب مؤسساتيّة وأخرى ذوقيّة؛ فالأولى تتعلق بالهيمنة الواسعة للمهرجانات والجوائز المخصصة للقصيدة العمودية، إلى جانب الرعاية الرسمية التي تحظى بها من المؤسسات الثقافية العربية. هذا الدعم الموجّه قلّص الاهتمام بالأنماط الأدبية الأخرى، ولا سيّما التفعيلة، رغْم أنها تُعدُّ 'الابنة الشرعية' للشعر العمودي «الأصل الذي لا يمكن تجاوزه». ويرى أن الانفتاح على القوالب الأخرى كان كفيلاً بخلق ثراء وزخم في الحراك الشعري العربي.*وعي عاميستطرد أبو جمهور في تحليل هذه الفكرة، موضحاً أن القصيدة العمودية ظفرت بنصيب الأسد في المناهج التعليمية والمقررات الدراسية؛ مما جَذَّر حضورها في الوعي الثقافي العربي العام، وهو الامتياز الذي حُرِمَت منه قصيدة التفعيلة. ومن هذا المنطلق، يتجلى بُعدٌ جوهري يرتبط بالبيئة الذوقية؛ إذ إن إقصاء هذا القالب عن المنصات والمناهج حَالَ دون تكوين ذائقة جمعية قادرة على تشرُّب جماليات شعر التفعيلة. وتلك المعضلة تتصل اتصالاً وثيقاً بآليات توجيه 'السيادة الثقافية'، التي ظل فيها القَصَبُ المُعَلَّى للشعر العمودي؛ باعتباره إرثاً حياً وعريقاً، فالإنسان، في نهاية المطاف، ربيب ثقافته وابن بيئته التي ينشأ فيها.*حياة اللغةويوضح أبو جمهور أن اللغة كائن حي، وفقاً لعلماء اللسانيات وبنيوية اللغة، تتطور باستمرار، ومن رَحِم هذا التطور والتفاعل وُلدت قصيدة التفعيلة، التي بلغت من الجاذبية حدّاً جعل كبار المغنين، يتغنون بها. ومع ذلك، ظل حراك التفعيلة محدوداً ولم يمتد بما يكفي لتشكيل ذائقة عامة مستدامة؛ إذ كان ممكناً أن يتجذر هذا النمط لولا تركيز المؤسسات الثقافية على تيار شعري واحد. ورغم أهمية تلك الرعاية، إلا أن انكفاءها على نمط بعينه أفضى، بالضرورة، إلى تهميش بقية الاتجاهات والتيارات الأدبية الأخرى، فهذا التهميش طال حتى الشعر الشعبي المرتبط بيوميات الإنسان وبيئته.وعن غياب المحاولات التي تتخطى مظلة المؤسسات الرسمية، أوضح أبو جمهور أن شعراء التفعيلة، وغيرهم من مبدعي الأشكال المعاصرة، ممن تقلدوا مناصب في الصحافة الثقافية، سعوا جاهدين للذود عن هذا المنتج التجديدي والأنماط الحديثة الأخرى. وأشار إلى أن هذه الأشكال الأدبية لها جذور ممتدة في التراث العربي؛ فالنثر كان حاضراً في الفنون الخطابية، مثل خطب 'قس بن ساعدة الإيادي' وغيره، ومع ذلك لم يحظَ ذلك النثر التراثي بالقدر الكافي من البحث والرعاية، فكيف تكون الحال إذن مع قوالب حديثة كقصيدتي التفعيلة والنثر؟وعن أثر غياب الرموز في انحسار شعر التفعيلة، أكد أبو جمهور أن رحيل القامات الأدبية أسهم بشكل جليّ في تواري هذا القالب عن فضاء الشعر العربي؛ إذ إن شعراء أفذاذاً من جيل العمالقة، أمثال عبد الله البردوني وعمر أبو ريشة، غيبهم الموت وترجلوا عن صهوة المشهد الأدبي في غضون عقد واحد. وهو غياب لرموز كان بوسعهم إحداث توازن حقيقي وإثبات وجود طاغٍ للتفعيلة، بما يضمن لها حضوراً أكثر زخماً وقوة مما هي عليه اليوم.*رموزوعن استشرافه لمستقبل هذا النمط الإبداعي، يتوقع أبو جمهور ظهور شعراء حقيقيين يجدون مساحة رحبة لإبداعهم، ويصوغون قصائدهم بنفَس تجديدي مغاير يرسخ حتمية التطور الشعري. ويؤكد أن الساحة العربية تشهد الآن بالفعل شعراء يكتبون قصيدة التفعيلة، مستندين إلى إرث متجذر أسسه رواد عمالقة مثل: نازك الملائكة، والسياب، والبياتي. ويرى أن هذا اللون يمتلك رموزاً راسخة؛ على النقيض من قصيدة النثر التي تفتقر إلى الرمزية التاريخية.