فوجئ الراغبون في الحصول على قطع أراض ضمن الطرح الحادي عشر بمشروع «بيت الوطن»، بزيادات وصلت إلى 100% من سعر المتر مقارنة بالطرح العاشر، الذي لم يمر عليه سوى عام ونصف، وذلك بعدما صدرت كراسة الشروط لطرح المرحلة الجديدة الأسبوع الماضي. الزيادات الأعلى كانت من نصيب أراضي المشروع في دمياط الجديدة والشيخ زايد ومدينة الشروق والمنيا الجديدة ومدينة 15 مايو بـ 100% و90% و79% و54% على الترتيب، فيما وصلت ردود الفعل المستاءة من زيادة الأسعار إلى مطالبات بمقاطعة الطرح الجديد، وإن شككت مصادر في جدية تلك الدعوات. وبينما رأى عدد من المصادر التي تحدثت لـ«مدى مصر» أن الدولة، بهذه الزيادات، تحاول مُقاسمة المضاربين الذين يتربحون من المبادرة، لفت آخرون إلى أن مواصلتها زيادة أسعار تلك الأراضي، يسهم في استمرار زيادة أسعار العقارات بشكل عام. زيادة الأسعار لم تكن هي الفارق الوحيد بين هذا الطرح وسابقيه، والذي يعد الأول منذ تولي راندة المنشاوي وزارة الإسكان، في فبراير الماضي. في هذا الطرح وللمرة الأولى، فتحت الوزارة باب استقبال التحويلات البنكية من المصريين بالخارج الراغبين في الحجز، على أن تُسجل كـ«أرصدة تمهيدًا للحجز»، وذلك من 15 مارس وحتى 1 مايو، ثم مدّته حتى نهاية مايو، قبل أن تتيح فترة سماح لاستكمال حوالات دفع المقدمات، انتهت أمس. الخطوة التي قالت الوزارة إنها تأتي «تيسيرًا على المصريين في الخارج في ما يتعلق بتحويلاتهم البنكية من الخارج والتخلص من مشاكل التحويل، وتحقيق تكافؤ الفرص بين الحاجزين»، استهدفت تفادي مشكلات مثل حدود التحويلات الدولارية من الخارج، ليتاح تحويل المبلغ المطلوب على دفعات ودون ضغط، كما يشرح عدد من مسوقي عقارات وأراضي «بيت الوطن» لـ«مدى مصر». وتجاوز الحدّ الأدنى للمبلغ الذي يجب إيداعه 12 ألف دولار، بواقع 25% من قيمة أرخص قطعة أرض مُتاحة ضمن الإعلان السابق، بحسب أحد المصادر. اللافت أن تحويل الأرصدة سبق طرح كراسات الشروط، التي أُتيحت الأسبوع الماضي فقط، على أن يتبعها، لمدة عشرة أيام تبدأ من 23 يونيو، سداد الحوالات التنشيطية التي تحدد أولوية التخصيص أو «تاريخ الحق» كما تسميه كراسة الشروط. ويتمّم المغترب بالحوالة التنشيطية أي مبالغ دولارية لازمة ليساوي رصيد محفظته 25% من قيمة قطعة الأرض الراغب فيها، فيما تحدد أسبقية تحويلها ترتيب تخصيص القطع، بناء على تقرير من البنك المركزي عن ترتيب الحوالات، حسبما يشرح مطورون عقاريون. ويشمل الطرح الأخير 4543 قطعة أرض، في 22 مدينة بالقاهرة الكبرى والصعيد والدلتا، تراوحت أسعارها ما بين 555 دولارًا للمتر في مدينة الشروق، و65 دولارًا للمتر في أخميم الجديدة، بسعر صرف تراوح ما بين 52.8 و49.9 جنيهًا للدولار. وتراوح سعر المتر في الطرح العاشر، في يناير 2025، ما بين 105 و270 دولارًا، بسعر صرف ما بين 47.4 و50 جنيهًا. أحد مستهدفي قطع الطرح الجديد قال لـ«مدى مصر» إن الأسعار المعلنة فيه تزيد على سعر شراء قطعة مُخصصة بالفعل في طروحات سابقة، حتى بعد دفع «أوفر» لصاحبها. لكن مالك شركة تطوير عقاري، تعمل في مناطق بيت الوطن شرق القاهرة، أوضح لـ«مدى مصر» أن الأسعار الجديدة المرتفعة تؤدي فورًا إلى عملية إعادة تسعير لأعلى، في المناطق وقطع الأراضي المُتاخمة لأماكن الطرح الجديد، مُضيفًا أن إعادة التسعير تأخذ في طريقها أيضًا الشقق والوحدات السكنية، معتبرًا أن «الدولة هي المسؤول عن زيادة أسعار العقارات، نتيجة الرفع المستمر لأسعار الأرض». وتتراوح تكلفة الأرض ما بين 30 -60% من تكاليف إنتاج الوحدة، بحسب المصدر السابق، وهي التكلفة التي يقول إنها تزيد بوصول الأراضي إلى مضاربين أو مقاولين، بما يعني إضافة حلقة في السلسلة، ترفع تكلفة الأرض نتيجة المضاربات، فيما اعتبر أن الحكومة بزيادتها للأسعار حاولت مقاسمة المضاربين في «الأوڤر» بالمناطق الرائجة، فجعلت الضغط مزدوجًا، لأن الأراضي في نهاية المطاف ستصل أيضًا لمضاربين يعوّضون ما دفعوه بالحصول على «أوڤر برايس» مرتفع. كريم جمال، المسؤول في شركة تسويق عقاري، ومعه مالك شركة تطوير عقاري صغيرة، اتفقا في حديثهما لـ«مدى مصر» على أن غالبية أراضي «بيت الوطن» يستحوذ عليها مُضاربون أو مُقاولون، فيما تذهب حصة أقل للمصريين بالخارج الراغبين في بناء منزل للعائلة. أحد المصريين بالخارج من المهتمين بالمشروع، أشار إلى مطالبات سابقة للحكومة بتحجيم عمليات المُضاربة، عبر قرارات مثل السماح للأسرة بقطعة أرض واحدة كحد أقصى، أو حظر البيع لفترة، وهي المطالبات التي قال إن الحكومة تجاهلتها. في المقابل، أصبحت شروط التنازل عن أراضي المبادرة للغير أكثر تساهلًا، على سبيل المثال، فحتى الطرح الثامن كان سداد كامل ثمن القطعة إلزاميًا للتنازل عنها، إلا أنه اُستبدل بـ«سداد كافة المستحقات حتى تاريخ تقديم طلب التنازل»، كما تم التراجع عن اشتراط بناء دور واحد على الأقل جاهز للسكن قبل التنازل عن الأرض، بينما لا تزال الوزارة تشترط الحصول «موافقة كتابية مسبقة من جهاز المدينة المختص، وسداد المصروفات الإدارية». في مقابل تسهيل التنازل، تستمر مشاكل الراغبين في التراجع بعد سداد المقدمات، والذين يرغبون في استرداد أموالهم، ما يستلزم وقتًا طويلًا، كان محور الأزمة التي شهدها العام الماضي، مع بقاء آلاف الدولارات في حوزة «الإسكان»، دون أي عوائد لأصحابها. في ظل استمرار صعوبة الاسترداد، استبعد جمال أن يتراجع عدد كبير ممن تقدموا للطرح الأخير، «ما حدش هيسيب فلوسه للحكومة تاكل وتشرب عليها فوايد شهور، وما ياخدش أرض». لا يفترس رفع الدولة لأسعار الأراضي وحده القدرة الشرائية لأغلبية المصريين، إذ تسهم «الدولرة» بدورها في مفاقمة الأسعار وخلق منافسة شرسة بين القدرة الشرائية للمصريين بالخارج والمشترين الأجانب، وبين المصريين بالداخل الذين يتقاضون دخولهم بالجنيه، ما يُنتج أثرًا غير عادل ينعكس على الحق في السكن، كما يرى الباحث العمراني، يحيى شوكت. في المقابل، لا تزال المدخرات طويلة الأجل أبرز ما تعتمد عليه الشرائح المتوسطة والدنيا من الطبقة الوسطى، لتمويل شراء العقار، بحسب مسح حديث أجرته منصة «عقار ماب»، على شريحة وصلت إلى مليوني فرد، رصد أن تلك الشرائح، ومع تعثر امتلاك سكن، تلجأ بشكل متزايد للسكن في مناطق بعيدة ووحدات سكنية أصغر، أو الإيجار، وإن أظهر المسح، عزوفًا متناميًا عن الإيجار خلال الفترة ما بين 2018 إلى 2025. كان «بيت الوطن» بدأ في 2012، وظل مُتعثرًا بصورة لافتة، قبل أن يسترد نشاطه عقب 2016، بالتزامن مع تحرير أسعار الصرف، وما أحدثته من تعاظم في قيمة دخول المصريين بالخارج، عزز طلبهم على العقار، بينما يواصل الجنيه انهياره أمام الدولار، ما شجّع سياسات «تصدير العقار»، التي أشار «مرصد العمران» إلى ترويج مصطفى مدبولي لها، منذ عشر سنوات حين كان وزيرًا للإسكان، معتبرًا العقار «أحد أهم السلع الاستراتيجية». ونجح «بيت الوطن»، ما بين 2012 و2023، في تحقيق نحو 7.3 مليار دولار مبيعات، بحسب تصريحات وزير الإسكان الأسبق، شريف الشربيني.The post زيادة أسعار «بيت الوطن»: الحكومة أولى بـ«الأوڤر» first appeared on Mada Masr.