روزي جدي لـ"المجلة": العربية صارت لغتي الأولى layout Fri, 05/29/2026 - 06:51 ثقافة ومجتمع في قلب القارة الأفريقية، حيث تتقاطع اللغات والثقافات، برز صوت أدبي شاب يكتب بالعربية من تشاد، ليعيد تعريف حدود الأدب العربي ويمنحه بعدا أفريقيا. هو الروائي والصحافي روزي جدي المولود في 1992، والذي اختار الكتابة باللغة العربية منذ طفولته، بعدما رأى فيها لغة الحلم والخيال والذاكرة، ولغة الحكايات التي لم يجد فرصة ليرويها شفهيا بسبب خجله، فحولها إلى نصوص روائية. من رسائل الحب في المرحلة الثانوية إلى رواياته التي عالجت الواقع السياسي والاجتماعي عبر إسقاطات خيالية، يواصل جدي رحلة الكتابة كفعل مقاومة واحتجاج، وكبحث عن هوية تشادية عربية. تكشف أعماله، مثل "التاريخ السري المعلن لآدم حواء"، جيلا عاش البطالة والحروب الأهلية، وتطرح أسئلة عن فشل الآباء في صوغ مستقبل البلاد، وعن قدرة الأدب على إعادة كتابة الذاكرة الوطنية لشعب عانى الاستعمار والعنف. حصل عام 2025 على جائزة "ابن بطوطة لأدب الرحلة" فرع اليوميات عن مخطوطته "فوق الأهرامات وتحت القباب؛ يوميات بين القاهرة وإسطنبول". كما حصل على جائزة غسان كنفاني عن روايته "زمن الملل" عام 2025 وجائزة الدولة للتميز في الأدب عن روايته "ارتدادات الذاكرة" عام 2023. ليؤكد أن الأدب التشادي لم يعد في الهامش، بل صار حاضرا في المشهدين العربي والأفريقي. هنا حوار معه. تكتب باللغة العربية، وهي اللغة الثانية في تشاد. حدثنا عن بداية فعل الكتابة: متى ولماذا قررت أن تكتب باللغة العربية؟ درست باللغة العربية. أعني أن أهلي اختاروا لي المدرسة العربية لأسباب دينية أو أخلاقية، فقد اعتقدوا أن الدراسة بالفرنسية قد تفسدني. ظنوا أنني لو درست بالفرنسية سأتحرر وأغادر وأغترب. هكذا وجدت نفسي أدرس باللغة العربية في مدرسة أهلية مدعومة من المملكة العربية السعودية. بدأت الكتابة في المرحلة الثانوية ككاتب رسائل حب، وكنت أكتب للأصدقاء العشاق. ثم كتبت القصة في الجامعة. أنا حكاء، لكنني لم أجد الفرصة لأحكي للناس لأنني خجول، لذا قررت أن أكتب الحكايات، وهذا ما فعلته خلال سنوات الجامعة. نسرين البخشونجي كاتب تشادي بين ثقافتين عشرات الأعمال المهمة... أدب أفريقيا المعاصر الذي ما زلنا نجهله عشرات الأعمال المهمة... أدب أفريقيا المعاصر الذي ما زلنا نجهله في مكتبة واسعة في أي من البلاد العربية، تمتد رفوف الأدب... طفلان يلعبان كرة القدم في مخيم نارسيا للاجئين في جنوب السودان، 2014 كرة القدم في الأدب الأفريقي... سرد الهوية ومرآة الواقع مع استمرار بطولة كأس أفريقيا للأمم في المغرب، التي انطلقت... غلاف "ها ها كح كح نجوت بأعجوبة" الكاتب السوداني مصطفى خالد يقارع فوضى الحرب بالفانتازيا في روايته "هاها.. كح كح.. نجوت بأعجوبة"، يذهب الروائي... الرواية الرواية العربية الذاكرة الحرب السياسة إفريقيا 26 مايو , 2026 Region الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الكتابة نحتاج إلى لغة نتقنها، لغة نحلم بها ونتخيل بها ونحدث أنفسنا بها كانت البداية عبر القصة القصيرة ، ثم جاءت الرواية. حدث ذلك حين كتبت قصة حب مستحيلة مستندة إلى تجربة عشتها، وأنهيت القصة بالخيال. تلك المسودة أحرقتها في سنوات ما بعد الجامعة. في نهاية عام 2018 بدأت كتابة روايتي الأولى عقب اكتئاب حاد جعلني أعتقد أنني سأموت قبل أن أكتب الحكايات التي أعرفها، والتي أفكر فيها، وتلك التي أتخيلها. قررت الكتابة بالعربية لأنني متمكن منها، فهي أشبه بلغتي الأولى. أنا أتحدث لغة صحراوية تسمى "الدزقا"، وهي إحدى لغات إثنية التبو، لكنني تحدثت العربية في الشارع مذ كنت في الخامسة من عمري، فصارت بمثابة لغتي الأولى. حين بدأت الكتابة لم يكن مستواي في الفرنسية يسمح لي بالكتابة. لاحقا تعلمتها، لكن كلغة ثانية أو لغة عمل. في الكتابة نحتاج إلى لغة نتقنها، لغة نحلم بها ونتخيل بها ونحدث أنفسنا بها. أنا أفعل ذلك بلغتين هما الدزقا والعربية، وقد كتبت بالأخيرة لأن الأولى غير مكتوبة. الادب التشادي أعمالك الروائية تأتي من بلد قليل الحضور أدبيا في العالم العربي. في رأيك، ما الذي ينقص الأدب التشادي ليصل إلى القارئ العربي؟ وما الذي تحاول أن تقدمه شخصيا لسد هذه الفجوة؟ أعتقد أن ما ينقص الأدب التشادي هو المزيد من الضوء وبعض الاهتمام من الدوائر العربية. صحيح أنه أدب لا يزال طفلا على مستوى السرد، لكنه أدب مختلف ويستحق الاهتمام. على المستوى الشخصي، أحاول أن أكتب أدبا يعبر عن التشاديين وقضاياهم باللغة العربية. ولأننا ننتمي إلى الثقافة ذاتها، آمل أن يحصل هذا الأدب على فرصته. أكتب حكايات عن شعبي وعن قضايا مهمة في بلادي لأعبر عن المجتمع الذي أعيش فيه، وأعتقد أنني أفعل ذلك بطريقة جيدة. غلاف "زمن الملل" بعد الجوائز التي حصلت عليها، ومنها جائزة غسان كنفاني وجائزة الدولة للتميز، هل تشعر أن ذلك يضع عليك مسؤولية مضاعفة في كتابة رواية تشادية معاصرة؟ وكيف ترى موقع الأدب التشادي مستقبلا؟ أعتقد أن موقع الأدب التشادي في المشهدين الأفريقي والعربي سيكون جيدا بفضل ما نقوم به من عمل. قبل عقد من الزمن، لم يكن أحد يعرف بوجود رواية عربية في تشاد. اليوم يعرف كثيرون أن هناك أدبا عربيا يكتبه تشاديون، وذلك بفضل تقديم أعمال جيدة أحبها الناس، وقرأوها، ثم فازت بالجوائز. بين القاهرة وإسطنبول فازت مخطوطتك "فوق الأهرامات وتحت القباب؛ يوميات بين القاهرة وإسطنبول" بجائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة – فرع اليوميات. حدثنا عن هذا المشروع. فكرت في هذه المخطوطة وأنا في وسط البلد بالقاهرة، أجرب مشروب السحلب لأول مرة في حياتي. كنت قد وصلت إلى القاهرة قبل بضعة أيام عقب فوز مشروع رواية لي بمنحة إقامة في "بيت التلمساني". كنت أتمشى كثيرا بين قبة الغوري وميدان التحرير، وأتأمل هذه المدينة العريقة، وأندهش من تاريخها وأنا القادم من مدينة صغيرة. قلت: لماذا لا أكتب يومياتي في القاهرة ؟ وهكذا كتبت أكثر من خمسين صفحة عن القاهرة، ومساجدها، وسكانها، وما رأيت فيها من عجائب وغرائب. لاحقا زرت إسطنبول، وكتبت عنها أيضا. ثم اكتشفت أنني، دون تخطيط مسبق، كتبت أدب رحلات عبر يومياتي. غلاف "التاريخ السري المعلن لآدم وحواء" في روايتك "التاريخ السري المعلن لآدم حواء" تمزج بين الواقعية السحرية وتاريخ تشاد السياسي والاجتماعي. ما الذي دفعك إلى هذا المزج؟ وهل ترى أن الخيال قادر على فضح الواقع بطرق تعجز عنها الكتابة المباشرة؟ اخترت هذا المزج كي أتمكن من الحديث عن الواقع السياسي عبر إسقاطات. أعتقد أن الخيال قادر على فضح الواقع وتعريته، بل إنه أهم من المنطق وأكثر قدرة على الوصول إلى أعماق الناس، لكن ذلك يحتاج إلى كاتب يعرف ما يريد قوله، وقارئ يلتقط هذه الإسقاطات. الخيال قادر على فضح الواقع وتعريته، بل إنه أهم من المنطق وأكثر قدرة على الوصول إلى أعماق الناس رواية "التاريخ السري المعلن لآدم حواء" هي رواية عن فشل جيل الآباء، سواء في تربية الأبناء أو في الاتفاق على صيغة لحكم البلاد. لأنه من ضمن مهام الرواية أيضا أن تقدم لنا مادة لفهم الناس وطبيعة تفكيرهم وتبين لنا اختلاف الناس في الأفكار والغايات مع تغير الأجيال. فـ"التاريخ السري المعلن لآدم حواء" هي رواية تربوية سياسية، لكن الناس ركزوا على "البهارات" الصغيرة، وتحدثوا عن التابوهات الاجتماعية التي عرتها الرواية، بينما سكتوا عن الإسقاطات السياسية. يمكن الرواية أن تقول عن الواقع وتفضحه بشكل أكثر شمولية ودقة من الكتابة المباشرة. غلاف "قارب يلاحق مرساه" درست القانون وتعمل بالصحافة. إلى أي مدى ترى أنهما وجهان لعملة واحدة في تحقيق العدالة وكشف الفساد؟ أعتقد أن لهما دورا مهما جدا في بناء أي مجتمع ديمقراطي. فالقانون يساوي بين الناس، ويكبح الغرائز بالعقوبات، ويضع حدا لشهوات الإنسان، وينقذه من نفسه، ويسمو به ليجعله إنسانا بالمعنى العميق للكلمة. أما الصحافة، فهي التي تلعب دور الرقابة من أجل تطبيق هذه الآلية، فالصحافة الحرة تكشف الحقائق، وتراقب السياسيين ومن ولوا أمر الشعب كي لا ينحرفوا. الأدب والذاكرة إلى أي مدى يمكن الأدب، وخاصة الرواية، أن يعيد كتابة الذاكرة الوطنية لمجتمع تعرض لعنف الاستعمار والحروب؟ الأدب يصنع ذاكرة للشعوب ويخلق لها سردية تتوحد حولها. الأدب يعيد كتابة التاريخ من وجهة نظر الشعوب، لا من وجهة نظر المستعمر الذي يعتبر عنفه مبررا. كما أن الحروب تذكر غالبا كأحداث عابرة، بينما في الرواية تتحول إلى تجارب حية، نتعرف من خلالها الى أسباب اندلاعها والنتائج الكارثية التي خلفتها. وهذا كله مهم جدا في كتابة التاريخ. غلاف "ارتدادات الذاكرة" الرواية التاريخية تكتب التاريخ اليوم، لكنها لا تهدف إلى إعادة سرد الأحداث الموجودة في الكتب وإنما خلق سردية جديدة لنعيش مع الناس الذين كانوا هناك ونتعرف الى حياتهم الاجتماعية وأسباب الحروب والتداعيات الداخلية التي أدت إلى نشوب حرب أو انهيار ممكلة. ولأنها تقدم تفاصيل دقيقة، وتلتفت إلى الشخصيات الهامشية، وتقدم صورة للحياة في تلك السنوات، ولا تكتفي بسرد التواريخ كأرقام. ولهذا فإن الرواية تخلق سردية وطنية لأي مجتمع تتناوله. لماذا اخترت اسما أدبيا بدلا من اسمك الحقيقي؟ "روزي" هو الاسم الذي سمتني به أمي، وهو اسم خالي. بلغة التبو يعني "صاحب الخيرات والبركات". حتى اليوم لا أنادى في البيت والحارة إلا بهذا الاسم، فهو اسمي الحقيقي. لكن حين ذهبت إلى المدرسة العربية في السادسة من عمري، طلبوا اسما آخر، أو ما نسميه في تشاد "اسم الكاتب". كانوا يبحثون عن اسم عربي، ونحن عادة نحب أسماء الأنبياء، وكل طفل عندنا يحمل اسمه القبلي إلى جانب اسم النبي محمد. الأدب يعيد كتابة التاريخ من وجهة نظر الشعوب، لا من وجهة نظر المستعمر الذي يعتبر عنفه مبررا أخبرهم خالي، وكان يدعى "محمد روزي"، أن اسمي هو "محمد جدي"، وهكذا صرت على الأوراق محمد جدي. حين قررت كتابة الأدب، وهو عمل فني حر، قلت سأتحرر من اسمي الجديد وأعود إلى اسمي الحقيقي، فقررت أن أكتب باسمي الأدبي: روزي جدي. أظن ان امتلاك العديد من الأسماء يصالحني مع شخصياتي المتعددة ويساعدني في إبداع شخصيات مختلفة ومتنوعة. 29 مايو , 2026 story cover Off Label No label Promotion Article Off Show on issuepdf page Off