رشفاتٌ على مهل

قلّ أن نجد كلمة عربية سافرت عبر اللغات والثقافات كما سافرت كلمة «قهوة»، فمن جذر عربي قديم إلى موائد العالم أجمع بأسماء متعددة، تحمل هذه الكلمة في طياتها قصة تحوّل دلالي مثيرة تستحق التأمل. تعود كلمة «قهوة» إلى الجذر الثلاثي (ق-هـ-و)، ومنه الفعل «قها» أو «قهِيَ» أو «أقهى». وفي المعاجم العربية القديمة، مثل: لسان العرب، يدور المعنى الأصلي حول انصراف النفس عن الطعام وفقدان الشهية له، فحين يُقال «أقهى الرجل»، فالمقصود أنه زهد في الطعام وانصرفت نفسه عنه. المفارقة اللافتة أن كلمة «قهوة» لم تكن في أصلها اسمًا لمشروب البنّ الذي نعرفه اليوم، بل كانت اسمًا آخر للخمر، فقد سُمّيت الخمرة «قهوة» لأنها تُقهي شاربها، أي تُذهب عنه الرغبة في الطعام والشراب. وهذا المعنى هو الغالب في الشعر الجاهلي والعباسي، فقد وردت الكلمة بهذا المعنى عند بعض الشعراء مثل: امرئ القيس وأبي نواس. ثم جاء التحوّل الكبير مع اكتشاف مشروب البنّ، وانتشاره أولًا بين المتصوفة الذين استعانوا به على السهر للعبادة، وذلك في حدود القرن الخامس عشر الميلادي تقريبًا، عندئذٍ انتقل اسم «القهوة» ليُطلق على هذا المشروب الجديد، ويُرجَّح أن هذا الانتقال الدلالي لم يكن اعتباطيًا، بل استند إلى تشابهين: التشابه الاجتماعي: أخذت القهوة في المجالس والسهرات الدور نفسه الذي كانت تلعبه الخمر، بوصفها شرابًا يُتداول في التجمعات ويرافق الحديث والسمر. التشابه الوظيفي: فكما تُذهب الخمر الرغبة في الطعام، فإن القهوة تُذهب النعاس والرغبة في النوم، فكلاهما يُحدث نوعًا من «الإقهاء» وإن اختلف أثره جذريًا. لم تتوقف رحلة الكلمة عند حدود العربية، بل عبرت إلى لغات العالم، فانتقلت إلى التركية العثمانية بصيغة «kahve»، ومنها إلى الإيطالية «caffè»، ثم إلى الفرنسية «café» والإنجليزية «coffee» والألمانية وغيرها. وهكذا أصبحت كلمة عربية الأصل جسرًا لغويًا يربط بين ضفاف حضارية متباعدة. ولعل أجمل ما في العربية أنها تحفظ جذور الألفاظ وهي ترافق تحولات الحياة، فالاسم قد ينتقل من شيء إلى آخر، ويبقى المعنى الأول شاهدًا على سر التسمية. تحولت القهوة اليوم من مجرد مشروب، إلى رمز ثقافي غني بالدلالات، يجلس إليها الكاتب فتنتظم أفكاره، ويأنس بها القارئ فتطول صحبته للكتاب، ويستقبل بها الناس ضيوفهم فتغدو عنوانًا للكرم وحسن اللقاء. كما تُستخدم الدلة رمزًا بصريًا راسخًا في الثقافة السعودية، وفي الشعارات والرموز الوطنية. واتخذ الناس لفظ (المقهى) وهو اسم مكان مشتق من الجذر نفسه، للدلالة على الفضاء الاجتماعي الذي يُقدَّم فيه هذا المشروب، وقد أصبح بدوره فضاءً ثقافيًا وفكريًا عبر التاريخ. وهكذا انتقلت دلالتها من تقليل شهية الطعام إلى فتح شهية الفكر، وإيقاظ رغبة العقل. ولربما ارتبطت بأوقات التأمل أكثر من ارتباطها بأوقات العجلة، فهي لا تُشرب على استعجال، وإنما تُرتشف على مهل، وتمنح اللحظة شيئًا من السكينة، حتى أصبح فنجان القهوة عند كثير من الناس بداية كتابة، أو رفيق قراءة، أو مساحةً يراجع فيها الإنسان نفسه. تختصر كلمة «قهوة» في رحلتها اللغوية قصة حضارية كاملة، من معنى الزهد في الطعام، إلى اسم للخمر، ثم إلى مشروب البنّ الذي غزا موائد العالم. وهي بذلك شاهد حيّ على قدرة كلمة واحدة في حمل طبقات من المعنى، وتحول دلالتها بتحوّل الزمان والمكان والاستخدام، دون أن تفقد جذرها الأول الذي انبثقت منه.