في طريق عودتي من أمسية الكتب خان «حمدي أبو جليل الذي بيننا» ضمن احتفالها بمرور 20 عامًا على تأسيس الدار، لم أكن قد انتبهت إلى إغلاق جزئي لـ «كوبري أكتوبر»، حتى وجدت نفسي عالقة في السيارة غير المكيّفة، بينما تنتظرني رحلة طويلة للعودة إلى المحلة الكبرى حيث أقيم. 30 دقيقة تتحرك فيها السيارة خطوات قليلة، وبالرغم من تلك الرائحة الخانقة المنبعثة من ماكينة يتطاير منها اللهب، لحرق المواد التي يستخدمونها في أعمال الصيانة، لم يحاول السائق إنقاذ نفسه وإنقاذي بغلق النوافذ وتكييف السيارة، وضاقت عينيَّ بفعل الاختناق ومحاولة التنفس من فمي هربًا من الرائحة. لا أعرف هل هي الصدفة والتوقيت أن أراقب عشرات العمال يعملون في هذا الطقس ولا يغطي أي منهم أنفه وفمه هربًا من الرائحة التي وجدتها سامة، في طريق عودتي من أمسية تحتفي بكاتب عمل في «الفاعل» وكتب رواية بالعنوان نفسه، أم هي حالة البناء التي لا تنتهي في مصر، والكباري ما بين التشييد والصيانة. قالت الناقدة والأكاديمية نيفين النصيرى، في القراءة التي قدمتها في الأمسية إن أكثر ما يميز كتابة أبو جليل هو تحويل الهامش والمهمشين إلى صدارة الحكي خاصة في «الفاعل» و«لصوص متقاعدون». *** «هو انتي بتشتغلي في الفاعل؟» جملة أمي المفضلة طوال طفولتي، تؤنبني على ما تسميه بالكسل والتراخي عندما تطلب مني فعلًا معينًا ولا أنفذه في الحال، وأبرر لها عندما تثور «مُرهقة يا ماما»، كانت تقول جملتها بنبرة استفهامية، لم أعرف حينها ما المقصود بالفاعل ولم تهتم أمي أن تشرح لي، ولكني تصورت أن الفاعل هو من يعمل في مهنة مُجهدة بدنيًا بشكل أساسي، ولا يتركون له فرصة يرتاح. وعندما أدركني الوعي، وصرت أنتبه إلى البيئة من حولي، شغلني «عمال التراحيل» ولم أكن حينها أعرف أن مرادفها «الفاعل»، حيث اعتدت رؤيتهم في شوارع المحلة على الأرصفة، وخلال سنوات إقامتي في شبرا كان حضورهم قويًا ومكثفًا في محيط منطقة أحمد حلمي ومدخل شارع جزيرة بدران. أرى هؤلاء الرجال إما فرادى أو في مجموعات صغيرة، يجلسون في وضعية القرفصاء عادة وشريحة كبيرة منهم ترتدي الجلباب، يضعون أمامهم أدواتهم من المعاول مختلفة الأحجام، أشفق على جلوسهم اليومي، وافترض أنهم ضحايا ظلم ما ألقى بهم إلى الشارع بدون وظيفة ثابتة، في انتظار من يحتاج إلى خدماتهم، التي انحسرت في ذهني حينها في الهدم فقط. نويت الكتابة عنهم ولكني لم أفعل، حتى انتهيت من قراءة نص «الفاعل» لم أكن أعرف أن الكثير من هؤلاء يختارون هذه المهنة بالذات بإرادتهم لأنها تناسب أوضاعهم بشكل ما، وعنهم يقول أبو جليل: «كنت أسمع أنهم يسافرون إلى مصر للشغل في الفاعل، وكنت أسأل ما هو الفاعل هذا؟» قراءة «الفاعل» أضافت بُعدًا آخر إلى تفاعلي معهم، ومع التعمق في قراءة أدب أبو جليل صرت أقرب إلى جارة تسكن في «بيت رقم 36» بطل «لصوص متقاعدون»، بجوار عادل الكوفتس، وأسرة أبو جمال، ولكني أراقب الشاب الذي يخرج بأدوات الهدم ولكن يحلم بمكانته في عالم الأدب والصحافة، الشاب الذي يتبدل مظهره ما بين العاصمة وحين عودته إلى مسقط رأسه في هيئته ككاتب ينشر قصصه في المجلات الأدبية، المهنة أو الممارسة التي يقول عنها: «الكتابة كانت تمكنني من الاعتزاز بنفسي». *** لم يتسن لي التعرف إلى أبو جليل شخصيًا، ولكن من خلال أمسية «الكتب خان»، وشهادة حسن عبد الموجود عنه التي تناولت حكاياته مع حمدي وأسامة الدناصوري وسعيد نوح، والأحاديث الجانبية التي التقطتها أذني لأصدقائه من الكُتاب والكاتبات، نما إلى فهمي أنه كان مقربًا بالفعل منهم، قيل لي بشكل مباشر عن تمتعه بشخصية مرحة وحس ساخر مميز، مكنه من إطلاق النكات بعفوية. لم تبدُ شخصية أبو جليل كما يرسمه أصدقاؤه بعيدة عما اكتشفتُه عنه، بالذات مع قراءة «الفاعل»، سخريته اللاذعة من الجميع، دون استثناء ذاته، بل يجد في الكثير من المناسبات فرصة سانحة حتى يوجه سهام لسانه إلى شخصه، وكثير منها أضحكني لطرافته الشديدة فيقول: «يبدو أن صوتي ارتفع، أنا عادة أفعل مثل هذا النهيق عندما تخذلني قدراتي على تعميق الأمور، يبدو أني سطحي فعلًا». على قدر ما تحمله حكايات أبو جليل من جرأة جنسية بالذات، إلا أن تناوله لسنوات مراهقته ودراسته تُفضي إلى لمس سمة الخجل التي شكلت جزءًا أصيلًا من شخصيته، خجله من أشياء مختلفة، منها هيئته وملامحه، التي أثرت بشكل واضح أيضًا على علاقته بالنساء، فهو يقول عن نفسه: «كان لديَّ مشكلة تجاه شكلي، وجهي بالذات كان عقدة، كنت ومازلت أحس إنه قديم، ويثير في النفس مشاعر عدوانية». خلطة أبو جليل، جعلت قراءة أدبه أشبه بتواجدي في جلسة تضم عددًا من الأصدقاء الرجال فقط، حيث يتحدثون بدون تكلف أو مبالغة، السمة التي يتسم بها حديث بعض الرجال في حضور النساء، فلا نتبين الخط الفاصل بين ما حدث أو ما تمنى المتكلم أن يكون قد حدث بالفعل. يقول أبو جليل: «الناس عادة يقدرونك وربما يخافونك لو تكلمت بلغة لا يفهمونها»، وأظن أنه أراد ألا يخافه القارئ، فهو يحكي عن «الفواعلية» فلم تكن كلمات مثل «أشيل الطين – ووكّلهم – التلفون – تشطفت – الوظاويظ – مزلط – سهتنة – منضرة – أرفه – ينتره» ناشزة عن لغته الفصيحة، بل على العكس كان حضورها أشبه بتأكيد على أن الهامش الذي يتصدر المشهد حي ومسموع كما يجب. لعلني وجدت الكثير من نقاط التماس مع شخصية أبو جليل الكاتب والإنسان مما سمعت في الأمسية ومما قرأت من أدبه، وأقربها النقطة التي انطلقنا منها نغزو «مصر»، وتحقيق الحلم، يقول في «الفاعل»: «دائما أفكر في عزبتنا باعتبارها وطني الأم، المكان الوحيد الذي أتحرك فيه دون خوف باعتباري مواطنًا لي حقوق وعليّ واجبات، أضعها أمامي وأقلّب في ذكرياتها باعتبارها تواريخ لوطن جريح، لا أدرى لماذا يرتبط الوطن لديّ بالجراح، الأوطان تبدو أكثر مهابة واحترامًا حينما تكون مثخنة بالجراح». في 2008 كنت ضمن الرُكاب من ميدان الشون في المحلة الكبرى للميكروباص الذي ينادي «مصر.. مصر»، لا أعرف متى أعتدتُ تسميتها بـ«القاهرة»، ولكن أظن بعد سنوات من التنمر، صرت بعدها أتعالى بدوري على أصدقائي ومعارفي وأسرتي بتصحيح اسمها موضحة لهم أن العاصمة مدينة لها اسم ومن المُضحك الجهل به. منذ عامين عدت إلى المحلة للإقامة بها بشكل نهائي، بعد أكثر من 15 عامًا في القاهرة، وللمفارقة أن ما كتبه أبو جليل عن علاقته بعزبته من الشعور بالأمان المستمد من كونه مواطنًا في عزبته هو ما يكتنفني اليوم وأنا أتجول في المحلة الكبرى، وصارت العاصمة الآن هي المدينة الأخرى التي أزورها في رحلة شهرية أو كلما دعت الحاجة إلى وجودي بها، ولكني أتجنب قدر الإمكان حاجتي لزيارتها، ولا اتذكر أنني شعرت يومًا بالأمان فيها.The post خلطة أبو جليل الساخرة first appeared on Mada Masr.